الجمعة، ديسمبر 30، 2005

الوطنية السورية و الأفلاطونية الفاضلة

إحسان طالب

مدخل:

رسخ في المفهوم الفكري والثقافي المكون لمخيال العامة من أبناء سوريا ارتباط مفهوم الوطنية بالقيمة القومية، واختزال الوطن الأم في قطعة بازل تشكل جزءُ من مكون أكبر يشمل كل ما يصح إلحاقه بالانتماء القومي ، وتطور التداخل الصاهر للكيانات الأم بما أسهم في تشكيل وبناء مصطلح الأمة وفقاً للقواعد الراديكالية والاعتقادات الدوغمائية في مكون المنهج الديني والقومي.
ولعل المسيرة التاريخية لارتباط السوريين (وخاصة العرب منهم ) بالعروبة كقيمة إنسانية في مرحلة الحكم الوطني بعيد الاستقلال وإلى ما قبل 8 آذار يسمح باعتبار الشعب العربي في سورية حامل من أهم الحوامل الاجتماعية للمكون الثقافي البراغماتي لمفاهيم القومية العربية، بما أتاح الفرصة لإقامة وحدة قسرية بين بلدين من بلدان المنظومة العربية وذلك إلى جانب بروز الناصرية كفكرة قومية عربية مستندة إلى وجود شخصية ديكتاتورية بارزة، كما كان هو الحال السائد في المرحلة القومية الأوربية في سياق تاريخي متقدم فكراُ ومنهجاُ وممارسة عن التجربة العربية، حيث كانت المرحلة الأوربية موحدة بين الوطن والأمة ولم تشتط لتشمل أوطاناُ أو أمماًُ بحجة وحدة الدين أو الجغرافيا ـ الديغولية مثالاًـ في ذات الوقت الذي رأينا فيه مؤسسة الفكر القومي العربي منقسمة إلى فئة طالبت بالكيان القومي العربي الموحد كواجهة لمبارزة الاضطهاد القومي التركي وفئة متقدمة تاريخياُ تأثرت بدرجة أكبر بالأوربيين فدعت إلى أمة عربية واحدة تشمل كافة أوطان المنظومة العربية بالاعتماد على الدين والتاريخ والأمنيات المفروضة المشتركة .

مفهوم الوطن السوري :

لا يمكن لباحث في التاريخ والاجتماع إلا الإقرار بسورية كبلد موغل في الحضارة ومؤسس لتاريخ البشرية إنسانياُ وثقافياُ كوطن خاص ومميز يؤسس لعمق أصالة الأمة السورية بمفردها وبمعزل عن ارتباطات لاحقة كاللغة حيث لم تكن العربية هي المؤسسة التاريخية للعمق الحضاري السوري فالسريانية والآشورية هي الأصل الأسبق تاريخياُ كذلك يصح الأمر على الدين فالإسلام جاء لاحقاُ للمسيحية التي كانت مسيطرة على سورية وقبلها تعدد الآلهة الرومانية وليست الجغرافيا أمراُ حاسماُ فالحدود الطبيعية السورية لم تكن في يوم من الأيام الناظمة لوحدة البلد أو ارتباطه بغيره من الدول المجاورة فالحدود الخاصة بسوريا والدول العربية طارئة وفقاُ لمعايير واتفاقيات غدت معروفة وشائعة لا ضرورة لإعادة ذكرها.
إن البحث في الجذور التاريخية للحدود السياسية كفيل بإعادة إثارة النعرات الطائفية والحروب الإقليمية والصراعات القبلية والاقتتال انطلاقاُ من فكر العشيرة وحدود القبيلة حيث لا يمكن اعتبار الدولة الإسلامية الركيزة التاريخية للوطن العربي لأنه ببساطة ينبغي علينا ضم إيران وتركيا ودول من أسيا الوسطى وأسبانيا وجزء من الدول الإفريقية غير العربية باعتبارها كانت جزئياً و نظرياً تحت سيطرة الإمبراطورية الإسلامية لأننا بذلك نعلن الحرب العالمية الكونية بدون أدنى ريب أو تأخير.
إن تطور مفهوم الوطن في المفاهيم المعاصرة أصبح مرتبطاُ إلى حد كبير بالشرائع الدولية وميثاق الأمم المتحدة ووثيقة حقوق الإنسان فسورية الوطن هي الدولة المعترف بكيانها وحدودها وشعبها كما هو مقرر بالاتفاقيات الدولية الموقعة بينها وبين جيرانها عرباُ وأجانب كما في ميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الأمم المتحدة وليس صحيحاُ أو معتبراُ أن تكون سورية الوطن ممتدة لتشمل دولاُ عربية مجاورة ذات كيان مستقل وحدود مستقلة معترف بها كلبنان مثلاُ ولا يصح أن تكون العلاقة بين الدول المؤسسة للجامعة العربية والأمم المتحدة علاقة خضوع وسيطرة وتسيير من قبل الأكبر نحو الأصغر فالعلاقة الأممية لا تسمح إلا بالتوازن والتعاون والاستقلال وليس بعيداُ في التاريخ ما نتج عن محاولة كيان كبير اغتصاب كيان أصغر منه ( اغتصاب نظام صدام للكويت ) حيث تحالف ما يقرب من مئة وتسعين دولة من أجل إخراج جيوش صدام حسين من الكويت وما زالت متوالية الأسباب والنتائج مستمرة إلى يومنا هذا وليس ببعيد أيضاُ تلك القرارات الدولية التي أجمعت عليها البلدان المنطوية تحت لواء مجلس الأمن وأمرت بخروج القوات السورية من لبنان بكامل أفرادها وعتادها وعددها ( القرار رقم 1559) .

المصلحة الوطنية السورية:

قامت الأنظمة الشمولية الاستبدادية في الدول العربية على شرعية دور إقليمي استمدت منه حصانة وجودها وضمانة بقائها واستمراريتها ولمعرفة تلك النظم لهذه الحقيقة دأبت على تضخيم وتغويل أمرين اثنين أعداء الوطن الخارجيين وارتباط مصلحة الوطن بالنظام الحاكم.( ويشكل اليوم ضمان أمن العدو وحماية مشروعها التوسعي سبباُ للإبقاء على النظم الاستبدادية المأزومة بقدر ما يشكل ضعفها قاعدة لشل إرادة الشعوب وتحييدها ) برهان غليون الإتحاد الإماراتية 21/12.
لذلك لا يعد موقفاُ مسبقاُ أو مفهوما لا عقلانياً انحياز المعارضة السورية إلى المصلحة الوطنية باعتبارها مصلحة الشعب السوري وباعتبارها الحفاظ على ثروات وخيرات الوطن وأرضه وبيئته وكل مفهوم لا يعد تلك الأولويات أساساً للوطنية يكون مخالفاُ لطبائع الأشياء ومناقضاً لمفهوم أن الإنسان هو الأصل والأساس ( إن وجه الوطنية المعاصر لم يعد محصوراً بمسائل الحدود والكرامة والاستقلال والانتماء وحدها بل انزاح تعبيرها الأهم نحو مسائل الحرية والمواطنة وحكم القانون وسيادة الشعب ) موفق نيربية.
( الوطنية مرتبطة بمواطنين أحرار وليس بالعداء للخارج كما هو سائد ومقياس وطنية أي نظام هو مدى احترامه لحقوق وحريات مواطنيه، فالاستبداد هو الخيانة الحقيقية للوطن وأي تحالف مع نظام استبدادي مدان ) جورج كتن .
إذن لا يمكن عزل المفاهيم عن السياسة ولا يمكن عزل السياسة عن الواقع أو الموقف فاغتيال الشهيد الحريري مثلاً جريمة إرهابية سياسية لا يمكن تجريدها عن دوافعها وحيثياتها واعتبارها جناية جزائية تختص بمعالجتها المحكمة الجزائية اللبنانية دون غيرها ومن هنا نستطيع تفهم تدخل المجتمع الدولي في خصوصيات الدول حيث لم تعد مراقبته للأنظمة الحاكمة خروجاً عن مفهوم الوطنية أو تعدياً عليها فكما تحاول أوربا مسائلة الولايات المتحدة عن السجون السرية في بعض بلدان أوربا الشرقية نجد أن الحكومة الإيرانية المتشددة وافقت على تخصيب اليورانيوم بمشاركة ومراقبة روسيا الاتحادية وعلى الرغم من النزوع الشديد نحو الخصوصية الوطنية للمحافظين الإيرانيين لم يعدو تلك المشاركة طعناً في خاصرة الوطن ، والأمثلة على تداخل النظام العالمي الجديد بمفاهيم الوطنية كثيرة ولعل أحدها موافقة النظام السوري على التعاون مع لجنة التحقيق الدولية المشكلة بالقرار 1595 واعتبر الشرع هذا التعاون وفقاً للمعايير الوطنية ولم يعد مثول مواطنين سوريين للتحقيق معهم في بلد أوربي أمام قضاة ومحققين أجانب خرقاً للسيادة .
ومن جهة أخرى نستطيع القول إن المعارضة الوطنية السورية تعتقد بوجود رابط بين مصلحة الوطن من جهة ومعارضة النظام من جهة أخرى لإيمانها بإخلال النظام بشروط المصلحة الوطنية التي بيناها أنفا وعلى النقيض يعتقد أولئك الموالون للسلطة بوجود ارتباط عضوي بين مصلحة الوطن واستمرار النظام على حاله آخذين المفاهيم الوطنية الغرائزية والعدائية والشفونية مقياساً وأساساً وتحقيقاً عليه يختزلون الوطن في شخص رأسه ويؤمنون بوجود ارتباط بيولوجي بينهما فالوطن هو الرأس والرأس هو الوطن .
والواقع أن هذا ما أشار له أعوان صدام حسين أثناء محاكمته حيث اعتبروا أي تهديد لشخص صدام هو تهديد للوطن و الأمة لذلك كان حجم الرد على التهديد عنيفا ً و إجراميا ً و إرهابيا ً لأبعد الحدود . و هذا ما يعد ربطا ً غير محق بين المصلحة الوطنية و مصلحة النظام الحاكم أيا ً كان و في أي بلد لا تكون السلطة فيه منتخبة وفقا ً لمعايير الحرية و النزاهة و الشفافية ، و ترتبط مصلحة الوطن بالسلطة طالما أنها حافظت على الشروط الديمقراطية التي وصلت إلى سدة الحكم من خلالها وطالما أنها كانت راعية لمصالح الأفراد والجماعات وفقاً للدستور الذي تمت الموافقة عليه باستفتاء شعبي كما هو معروف في بلدان العالم المتحضر شرقاً وغرباً.
(الاختيار الشعبي الحر في غيابه تنفصل الوطنية عن الخيارات الشعبية و يبقى تقدير مصلحة الوطن متروكا ً لأخلاقيات الحكام و نياتهم الحسنة) ياسين الحاج صالح.
الوطن كمفهوم مجرد و معزول عن أبنائه و نظام الحكم فيه قيمة فاضلة و كينونة فكرية يشبه بحثها و دراستها دراسة اللاهوت و يغدو الوطن جنة معزولة في طيات الكتب المقدسة لا يرى و لا يحس و لا يسمع.
إن اللحظة الملتهبة و الراهن المتأزم يعطي كل المبررات النظرية و العملية لربط المفاهيم بالممارسة و السياسة و عليه لا يمكن فصل المصلحة الوطنية السورية عن طموحات و تطلعات أبناء سورية نحو الحرية و الديمقراطية و المساواة و العدالة في دولة الحق و القانون دولة المواطنة القائمة على أسس دستورية ٍ ديمقراطية و قيم حضارية منبثقة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و ملحقاته.

الوحدة الوطنية السورية:

و انطلاقا ً من طرحنا السابق نرى أن الوحدة الوطنية السورية لا تتحقق بالتجاهل و التهميش و الإقصاء و رفع شعار لا شيء يعلو فوق صوت المعركة تلك المعركة التي ما زالت هزائمنا فيها تتوالى و الخط البياني لكرامة الوطن و قوته و عزته في انحدار شديد و مستمر.
وحدة الشعب السوري تتأتى من خلال مشاركته الفعالة في السياسة و الحكم عن طريق إقراره لمفاهيم دستورية معاصرة تحقق الاعتراف بكل مكونات الفسيفساء السوري المختلفة و كل الإثنيات القومية و الدينية و المذهبية و الطائفية.
وحدة الشعب السوري تتأتى من خلال تحقيق مستوىً معاشي لائق منضبط بالمعايير الدولية و من خلال كسر احتكار الثروة و الاقتصاد من يد ثلة قليلة لا تتجاوز نسبتها الأربعة في المئة تتحكم بما يزيد على خمسة و تسعين بالمئة من مقدرات و ثروات سورية
و كما هو الحال في الدول الكبرى و الصغرى في جميع أنحاء العالم حيث الحرية الدينية متاحة و تعدد القوميات متاح و الاختلاف الثقافي متوفر و حتى اللغات متباينة في الدولة الواحدة و الوطن الأم
الوحدة الوطنية السورية ليست شعارا ً فضفاضا ً مبثوثا ً في أحلام السوريين و أمنياتهم و ليست سلاحا ً يشهر في وجه كل من يدعو إلى التغيير و الإصلاح
إنها قيمة وجدانية و حقيقة واقعية يمكن الوصول إليها بتحقيق شروط التغيير الوطني الديمقراطي الذي يتوافق عليه أبناء سورية أيا ً كان وجودهم أو قناعا تهم طالما كانت مصالح الناس و الأرض محققة و مصانة.

ليست هناك تعليقات: