السبت، أكتوبر 29، 2005

تقرير ميليس: قصة موت معلن

عباس بيضون - السفير
كثيرون يتمنون ان يكون تقرير ميليس مجرد رواية، يتمنون ان يصحوا فيجدوا ان كل ذلك كان من نسج الخيال، مع ذلك فانهم يفترضون بأن كلمة رواية لا تقال هنا بحسن نية، وان من يقولها لا يجد اسما افضل لعدم تصديقه، بل ربما حبس هؤلاء استمتاعهم بالتقرير لئلا يسيء هذا الى نزاهته، اذا كان ابتلاع الحقائق سائغا الى هذا الحد فإن هذا اشتباه بها، الحقائق دائما جارحة وصعبة وقبيحة والاستمتاع بها توهين لها. لقد استهولوا ان يتكلم شتوكهاوزن عن جمال انفجار برجي التجارة في 11 ايلول. سيكون اكثر هولا ان تتكلم عن جمال الرواية الميليسية. متعة وجمال وتشويق، لن يكون هذا سوى خفة وقلة احتياط، لا أدري كيف نقرأ تقرير ميليس لكن القراءة الثانية ستكون في الغالب روائية. اذ بعد نرتوي او لا نرتوي من المعلومات يمكننا ان نتبع التقاطعات القائمة في التقرير وان نصل هنا وهناك الى نهايات الطرق حيث علينا هذه المرة ان نكمل وحدنا، رواية لا تتهم بالطبع الحقائق انها فقط تحتاج الى الخيال الذي بدونه لا نستطيع ان نتصور كيف تكون الاحداث في بطون الايام وكيف تتحقق على رقعة فلكية من اناس واماكن ووقائع وتدابير. من دون هذا الخيال والقدرة على النسج والبناء لن يتاح لنا ان نفهم كيف تلتقي كل هذه المسارات عند موت رجل واحد، وكيف ينخرط جانب من المدينة والمجتمع في مؤامرة، وأي اسم ينبغي ان تحمل المؤامرة حين تغدو عمل ماكينة كاملة وعسكرية مدنية، لنبدأ اذن من موت معلن.من كان يعرف مصير رفيق الحريري، ليس الجنرالات الاربعة هنا ولا الخمسة او الستة هناك، كان يعرف مساعدوهم وبعضهم جنود عاديون وسواقون، الجنرالات الاربعة ومعهم عمداء وقادة، ثم هناك ايضا حاملو الهواتف الستة المجهولون ومعهم شاري الهواتف وقريبه، ثم هناك الشيخ أحمد عبد العال وأخواه ولا نعلم اذا كان هناك آخرون يعرفون في الزمرة الحبشية، وهناك ايضا قادة في القيادة العامة ولا يصح ان يعرف أحمد جبريل وحده، فقبل ان ينكشف الستار نتوجس من ان لا بد هناك منفذون ومشاركون على الارض. هذا من جهة لبنان. اما من جهة سوريا فهناك بالاضافة الى الجنرالات الخمسة سارق السيارة وسائقها الى سوريا، ومحملوها بالديناميت ومن دبر ذلك في معسكر الزبداني ومن ساقها الى لبنان. ثم هناك من استدرج ابو عدس ومن أملى عليه ما ردده امام الكاميرا وبالطبع من صوره ومن صفّاه ومن حمل الشريط الى الشجرة قرب الاسكوا ومن خابر الجزيرة. احصي من تكلم على هاتف واحد تجد اعدادا، اجمع كل ذلك في رأسك تجد عشرات في اضعف احتمال. تذكر ان نائبا درى بالمؤامرة لا لشيء الا لمزيد من العلم، تذكر ان هذه التدابير، بعضها على الاقل، احتاج لأسابيع وربما لأشهر، وان سيارة سرقت من اليابان لتختم رحلتها الطويلة بانفجار قرب السان جورج. تذكر ذلك واحصه في رأسك فتفهم ان عشرات في اضعف احتمال كانوا يدرون بالمؤامرة، وان هذا السر بذل احيانا مجانا، ان وقتا متطاولا امتد والسر في الأيدي، تذكر ذلك فنعلم ان السر لم يكن مدفونا في بئر ولا محصورا بين اثنين او ثلاثة، كان في متناول لا جنرالات فحسب ولكن ايضا مخبرين وارصادا وشيخا ونائبين وسواقين وعائلات بكاملها. لم يكن في متناول جهاز واحد بل اجهزة عدة وحلفاء مفردين. كان سرا شائعا تقريبا. عشرات عرفوه وصانوه اسابيع طوالا. عشرات تداولوه من دون ان تفلت من فم احدهم اشارة او لفتة، من دون ان يفضحه دخيل او مهذار، من دون ان يتجاوز الحلقة الواسعة جدا. من دون ان يطمع احد بمكافأة الحريري السخية، فينذره، ثم كان كل هذا العدد يدري والحريري الحريص الحذر لا يشعر ولا يعلم، كان الاقوى لكن صلابته وامكاناته الهائلة لم تجعله ينصت او يسمع ما كان يدبر له، وغالبا خلف اذنه وتحت عينيه، كل امكاناته لم تجعله يرصد ما كان متاحا وقريبا الى هذا الحد، انها قصة موت معلن، كان الجميع يقولون انه الوقت <<الحريري، با باي>> لكن الرجل الاقوى لم يسمع السر الذي دار بين عشرات ظل سرا عليه، الموت المعلن ظل مخفيا عنه، هل هو القدر أم انه فقط عدم التصديق. قال <<لن يجرؤوا>> لم يصدق ان سواقين ومخبرين ومشايخ ونواب وجنرالات يتحدثون في وقت واحد عن موته، انها رواية موت معلن.رواية أم روايات، بعض روايات الانترنت يفسح للقارئ ان يعيد بناءها وان يلعب بمصائرها وان يرسم نهاياتها على هواه، كم رواية في تقرير ميليس، كم مسار ظل مفتوحا امام القارئ ليتابع وحده، لنبدأ برواية الميتسوبيتشي المسروقة من اليابان، حدث ذلك منذ متى، لا شك انها اسابيع قبل الجريمة. من قادها موجود وكلمته تكفي لاثبات الجريمة. لن نقول انهم قتلوه لذلك فجزاء سنمار ليس واردا هنا، لم يبال القتلة بأن يتركوا اثرا وشاهدا في كل مكان، لقد اعدوا الجريمة كما يعدون حربا. احتاجت الى جيش ووفروه. كانت مقامرة نظام ولعبها. مع ذلك لم يكن السر محكما فأي سر بين عدة اجهزة مخابرات وحليفين شبه مدنيين ومشتركين باسمهم الشخصي، اي سر يمكن ان يكون في جبهة كاملة. من يكمل وحده خلف سارق الميتسوبيتشي. أو من يتبعها الى معسكر الزبداني. مرة ثانية السر مع سائق ثان قادها الى لبنان، السر الذي سيموت مع سائقها الثالث المنتحر الذي زعم انه عراقي اوحي له بأنه ذاهب لقتل اياد علاوي. اي قصة هذه تبدأ من سرقة في اليابان لتنتهي بإطلالة جانبية للوضع العراقي.هناك رواية الهواتف وهذه اذاعية تماما، انها اصوات وارقام تعود الى اصوات وأرقام. هناك رواية ابو عدس وهذه ايضا قصة على حدة: الاصدقاء والمستدرجون وصناع الشريط والمصفين وموزعي الشريط ومخاطبي الجزيرة، هناك رواية ما بعد الانفجار الذين لعبوا بالأدلة والاهمال القاتل... الخ. روايات لأن الجريمة لم تكن حادثا، لقد كانت حربا وخاضها جيش فعلي، بل خاضها حلف مافياوي حكومي وغير حكومي، لقد عومل الحريري كدولة، رواية من روايات كهذه لا تصنعها فرق موت وعصابات فحسب، انها جريمة نظامية وحكومية بامتياز الجيوش النظامية اولا ووراءها فرق الموت والعصابات. ما ينظم ينظم في أعلى الاجهزة ويقوم به بالدرجة الاولى ضباط موثوقون، ما يسند للعصابات الحليفة الرصد والمراقبة. اما من يقتل ولن يكون سوى المحارب الاساسي، هكذا يبدو هيكل الجريمة موازيا لهيكل النظام، هكذا تبدو الجريمة هرمية كالسلطة. انها تقريبا العمل الرسمي والنظامي، القتل هو ام السياسات.لنعد الى رواية الهواتف، هذه يكفي ان نروي طرفا منها انها بالطبع احدث الروايات، اذ وجد من يروي قصصا عن الفرق فهذه رواية هاتف واحد. انه الهاتف رقم 925152/03. هذا الخط على ما يقول اجرى اتصالا مع طارق عصمت فخر الدين الذي اجرى بدوره بعد ساعات على التفجير اتصالا مع الجنرالات حمدان والحاج وعازار وضابط الاستخبارات السورية جامع جامع، اجرى اتصالا مع رائد فخر الدين المشتبه بأن اشترى البطاقات الهاتفية التي استخدمت لتنظيم الاغتيال. هذا الخط اجرى اتصالا مع الجنرال حمدان والوزير عبد الرحيم مراد كما اجرى بعد يوم على اختفاء ابو عدس اتصالا برقم هاتفي كان يدوره على اتصال بهاتف النائب ناصر قنديل واجرى اتصالا مع رقمي هاتف كانا بدورهما على اتصال برقم الضابط السوري جامع جامع، اجرى الخط اتصالا مع رقم كان على اتصال برقم يونس عبد العال اخو احمد عبد العال، وعلى اتصال برقم هاتف لوليد عبد العال. اخو احمد عبد العال، انه الرقم 925152/03 مجهول الصاحب لكنه في النهاية يبدو حاملا في داخله كل خطة الجريمة، انها خطة تتقاطع عندها كل المسارات. وكل مسار يحملها كاملة في داخله، اذا غاب الشاهد فان كل الشبكة ظاهرة امامنا، لندخل ايضا وبسرعة الى هاتف أحمد عبد العال. سجل الهاتف مكالمات مع جامع جامع ورستم غزالة واتصالات يومية مع العميد الرشيد رئيس امن الدولة في بيروت، كما سجل مكالمات مع ريمون عازار والبير كرم وسجل 97 مخابرات خلال 13 شهر مع مصطفى حمدان، اربعة منها في 14 شباط يوم الجريمة. كذلك تلقى عبد العال اتصالا من غرفة الهاتف التي جرى منها اتصال بالجزيرة بشأن ابو عدس واتصالا من الغرفة التي جرى منها اتصال بوكالة رويترز بهذا الشأن وفي 14 شباط هاتف عبد العال ريمون عازار ورئيس الجمهورية اميل لحود. نكاد نقول ان الدولة هنا في هذا الهاتف، ولن نستبق القضاء فنقول ان الجريمة قد تكون كلها هنا ايضا، ليست هذه تسجيلات هاتف عادية انها الشبكة المركزية للمؤامرة بحسب توصيف ميليس، من رئيس الجمهورية الى جندي الحرس الجمهوري، مرورا بالجنرالات اللبنانيين والسوريين في هاتف الشيخ. لا يستطيع احد ان يعرف اين هو السنترال المركزي فالحدود هنا ضائعة بين العصابات وفرق الموت والدولة، حين نسمع رستم غزالة يقول ان <<رئيس الجمهورية يقول اننا نصرخ عليه كلما شكا>> نفهم ان الحلف الحكومي المافياوي ولا يملك التراتب والمقامات التي نعرفها. نفهم ان الشخص الذي يصرخ عليه رستم غزالة لن يكون مقامه بالضرورة اعلى من مقام الشيخ، تذكر ان حنة ارندت قالت ان السلطة الثانية في نظام كلياني مجهولة الموقع متغيرة المكان. اذا تذكرت ارندت ايضا فمن المناسب ان نستعيد عن ميل انظمة كهذه للتدمير الداخلي، كانت هذه اللحظة هي الذروة في التدمير الداخلي ومن الصعب ان نعرف اين كانت فعلا السلطة الثانية حينها.الذين يتهمون الروايات قد يفهمون ان جريمة بهذا الحجم وحدها تملك ان تكون تقاطع روايات كل منها يحكيها على طريقته، ان السر حاضر واضح، بل الشبكة واضحة حاضرة في كل عقدة من الرواية، تذكروا اننا عند كل محطة نجد العشرات في انتظارنا، لكن الاشخاص اياهم يتكررون دائما: قد ينقص احيانا الشاهد، لا نعرف صاحب هاتف 925152/03 لكن الهاتف يشهد بالنيابة عنه، اعادة بناء الوقائع والرواية يعني دائما اظهار الخطة وكشف مسرح الجريمة، قد ينقص الدليل المباشر لكن المسرح المرئي يكشف كل التقاطعات. قوة الرواية في انها الرواية الوحيدة الممكنة، في ان رواية اخرى لا تملك امكان وجود، انها ايضا الرواية شبه المعلنة. كانت المؤامرة لوقت طويل واجب النظام، لم تكن مجهولة لاي من متنفذيه ولا حتى لكبار الحلفاء والاصدقاء فالجميع دُعوا المشاركة. لم تكن سرا الا للضحايا الذين لفرط ما كانت قريبة منهم لم يصدقوا ما رأوا وما سمعوا. كانت اعداما ينتظر الاذن والتوقيت، وكانت الاجهزة والحلفاء فرقة اعدام واحدة.تقرير ميليس لا يفاجئ اللبنانيين كانوا ايضا يدرون وربما اخطأوا بالاسم والتوقيت. انها قصة موت معلن للجميع، لذلك بدا التقرير وكأنه لا يحمل جديدا، لم يهتموا بالطبع بالأدلة فما حصل كان معروفا من قبل ولا يحتاج الى براهين، هذه المرة حصلوا على رواية، من قبل لم يكن الأمر يستحق ان يُروى، انه امر نفذ في ليل بل نوع من الانتخاب الطبيعي، مقتل الحريري له روايته وهذا المهم، الرواية نفسها ليست اتهاما فحسب للنظام السوري اذ لا ننسى النظام اللبناني الموازي له. لا ننسى ان جانبا من المدنية، جانبا من المجتمع السياسي والمافيا السياسية حرض وشارك. نائبان ورجال اعمال وشيوخ، نكاد نقول ان المجتمع في دائرة الاتهام، لا ننسى الحرب الطويلة حيث الجريمة كانت المعادل الاول للسياسة، لا تستطيع بسهولة ان نفرز هؤلاء ونلهي ضمائرنا باستبعادهم، ما دام بنك المدينة هو المقابل الاقتصادي للجريمة فان ضمائرنا لن تستريح. لا نعرف كيف يمكن للبناني الصالح ان يوجد، لا نعرف الى اي درجة تمت مفيوة المجتمع، يبدو بوضوح ان ما حصل في هذا المجال تصعب مداواته، كيف يمكن ان نعزل الاعتصاب السياسي الطوائفي والتفويض المطلق للزعماء الطوائفيين عن غياب اي وجه حقوقي للمجتمع، وغياب كل فكرة عن تأسيس قانوني للامة. انها انقسامات تاريخية بالطبع لكن المساومة الاجتماعية قائمة نهائيا على الاغتصاب والاعتداء، السياسة اذا جازت تسميتها حرب والجريمة ليست ضمنا منكورة، المتاجرة بالدم على كل حال جزء من هذه السياسة وجزء دائم، من هنا نفهم اكثر ان الجريمة على عاتق اللبنانيين وانها قابلة للاستمرار فيهم. تقرير ميليس وثيقة تاريخية لبنانية وفضيحة لبنانية بالدرجة الاولى. قراءته ترينا بالضبط كيف يكون مجتمع الجريمة. ترينا الاعماق الاحشائية لفسادنا المزمن. ترينا التشكيل المافياوي لعلاقات الدولة والمجتمع، هناك عدد من اعمدة النظام السوري من دون شك، لكن وثيقة ميليس ترينا كيف يغرق النظام اللبناني بكل هرميته، وبعدد من تفريعاته الاقتصادية والسياسية في الجريمة. لنقل ببساطة ان كل هذا من عندنا، انه موجود بقوة المخابرات السورية وبدون قوتها ايضا، لا ننسى مسؤوليتنا، لا ننسى استعدادنا، انها قصة موت معلن، جريمة معلنة، درى الجميع بها، استشرفها الجميع لكن احدا لم يتدخل ليمنعها، ترك هذا للانتخاب الطبيعي، الجريمة لا تحتاج سببا اقوى لتستمر.

ليست هناك تعليقات: