الأربعاء، أكتوبر 19، 2005

إعلان دمشق موجبات التأييد و دوافع الرفض

إحسان طالب
يعتبر إعلان دمشق قاعدية مبادئية مناسبة و مساحة مؤهلة تلتقي حولها أطياف المعارضة السورية تحت سقف الحد الأدنى من الطموحات و المطالب التوافقية التي ما زالت النخب الثقافية السورية تتحاور و تتفاهم حولها منذ ما يقرب من الخمس سنوات. واللافت حجم التأييد البالغ لهذا الإعلان الذي تم من خلاله جمع فيض من المتناقضات على قاعدة من التوافقات و ساعد على ذلك الانسجام موقف النظام المتخشب و المتصلب و الجاف إلى حد التفتت. فبعد مؤتمر حزب السلطة الأخير تنامى القمع الفكري و الجسدي و تعالى السوط و غابت المراوغة و النفاق اللذين راهن عليهما بعض المثقفين السوريين باعتبارهما نافذة فتحها النظام للإصلاح و التغيير.
بدى جليا ً بعد ذلك وجود رغبة حقيقية و صادقة من قبل النظام بالإقصاء و الاستفراد بالقرار و العمل السياسي مما حدا بالمتفائلين للقطع التام مع النظام الذي اتخذ قرارا ً نهائيا ً بقطع يد المعارضة و رأسها إذا أمكن ما لم يكن لوجودها سبب وحيد و هو دعم النظام و الإسهام في استمراره و صموده بدون أي ثمن. و المعارضة السورية لم تكن و لن تكون في يوم من الأيام كذلك.
فإعلان دمشق وضع مصلحة الشعب و البلد فوق كل الاعتبارات و سيعمل على تحقيق نظام وطني ديموقراطي كمدخل أساسي في مشروع التغيير و الإصلاح السياسي يشترط أن يكون سلميا ً و تدريجيا ً و قائما ً على الحوار و الاعتراف بالآخر و الآخر هو كل الآخرين من فئات و قوميات و طوائف و أديان دون استثناء.
حقيقتان:
الأولى: لقد غدا الإعلان حاملا ً واقعيا ً لمشروع المعارضة في التغيير و شخصية اعتبارية لا يمكن بحال من الأحوال تجاهلها أو القفز فوقها ً
"لقد أثبت الإعلان وجود قوة ثالثة على الأرض لها دورها الفعال في الصراع إضافة إلى الخارج و السلطة" برهان غليون – العربية.
الثانية: ليس هناك نص تاريخي أو معاصر إلا و يوجد عليه مآخذ و نقائص و عيوب و هذا لا يعني فشل النص أو سقوطه حيث من الطبيعي وجود اختلاف و تعارض خاصة في المصالح و الأهداف و الإعلان أخذ على عاتقه تحقيق مطالب الغالبية الكاسحة من أبناء سورية.
جبهة الرفض:
هناك أسباب موضوعية و ذاتية كانت و ستكون وراء بعض الآراء الرافضة للإعلان و بغض النظر عن النوايا و باعتبار القصد الحسن لدى كل الرافضين فإن هناك جملة من الدوافع كانت خلف عدم التأييد منها الشعور بالإهمال لدى البعض حيث تم الإعلان دون إعلامها أو مشاورتها. ذلك إلى جانب عدم الاطلاع الكافي و ضباب الرؤية لدى البعض مما جعله غير قادر على رؤية الواقع و تحليل الوقائع.
غياب الرؤية الاستراتيجية في العمل السياسي و ضرورات الالتقاء على قاعدة التوافقات و الحدود الدنيا من المطالب و الطموحات و حيثيات الحراك السياسي وفقا ً لضرورات اللحظة الراهنة يترافق ذلك مع عدم نضوج الفكر الديموقراطي و الممارسة الديموقراطية فلا يجوز عدم تأييد الإعلان بدعوى انضمام أطياف لا تنسجم كلية ً مع فكر الرافضين فاللعبة الديموقراطية تقتضي قبول الآخر تحت سقف مفاهيم الحرية و العدالة و المساواة بين الجميع.
بعض الرافضين رأوا في الإعلان خطرا ً على النظام و هم قسمان إما أعوان النظام المندسين تحت عباءة المعارضة و يعتبرون أن الدولة السورية و شعبها هي النظام فإذا داهم الخطر السلطة اعتبروا ذلك الخطر متجها ً تلقائيا ً نحو الوطن و هذا أمر اتفقت التيارات و النخب الثقافية السورية على اعتباره خطأ ً.
تقف على الطرف الآخر فئة تبنت الرفض أساسا ً لجميع الطروحات القادمة من الآخر و ذلك على أساس من الالتصاق بالثوابت و التقاليد و النظرة الشمولية التي لا تستطيع الرؤية خارج الدائرة المحددة لها، و من تلك الدائرة تنطلق النظرة الفردية للأمور و الحكم المباشر قبل الحوار و النقاش و التفاوض و هذا الأسلوب كان سائدا ً في العمل السياسي على الساحة السورية تختزنه الرغبة الملحة في السيطرة على الآخرين و تبوء مقعد القيادة و الأخذ بزمامها مما دفع إلى النظر نحو الآخرين مهما كان حجمهم على أنهم أقلية طالما لم ينطووا تحت فئة أو حزب أو تيار أو منتدى ً أو لقاء ٍ بحد ذاته.
إن معظم النخب السورية الحالية لم يسبق لها أن مارست الديموقراطية بمفهومها الحديث الذي ينص عليه إعلان دمشق حيث الديموقراطية معطلة في سورية منذ عام 1958 أي ما يقارب خمسين عاما ً و هذا يعني أن الإدراك السياسي للغالبية الجارفة من النخب السورية لم يسبق له معاصرة ديموقراطية و طنية أو اختبارها أو التدريب عليها فضلا ً عن ممارستها. لذلك فالمخاض الديموقراطي السوري سيمر عبر ولادة عسيرة تشوبها الأخطار و المعوقات إلا أن الأمر المساعد في ولادة طبيعية غير قيصرية للديموقراطية السورية هو التوافق تحت سقف الحد الأدنى الذي تضمنه الإعلان و سيساهم العمل المشترك لكافة أطياف المعارضة إنضاج المشروع و تصحيح الأخطاء و إضافة النواقص و سيكون العمل أكثر تكاملا ً و قبولا ً.
و من الضروري الاستفادة من التجربة العراقية حيث ارتأت فئة من العراقيين مقاطعة العملية السياسية و البعد عن الانتخابات النيابية فخسرت مقاعدها فيه ثم عادت و تراجعت عن موقفها السلبي و شاركت بقوة في الاستفتاء على الدستور لبيان موقفها و العمل على تحقيق و جهة نظرها عبر الوسائل الديموقراطية السلمية و هي ستشارك في الانتخابات النيابية القادمة و سيكون تأثيرها و تمثيلها جديرين بحجمها و قدرتها على التغيير.
بعض الملاحظات:
نظر الكثيرون إلى الإعلان بموضوعية و تجرد و حظي بموافقة و دعم كبير رغم التحفظات التي لا تخلو من وجهة حق فلقد خلا الإعلان من مجرد ذكر لمفهوم العلمانية أو مصطلحها الذي يعد الحامي و الراعي للعملية الديموقراطية في مجتمع متعدد الأطياف فيه أغلبية متدينة و بالاستفادة من تجارب الآخرين يظهر بجلاء أن العلمانية شرط ضروري لاستمرار العملية الديموقراطية ففي تركيا مثلا ً نجد الأغلبية الحاكمة منتمية إلى حزب ديني إلا أن الدستور العلماني للدولة التركية منع من تحول الحكم إلى دولة دينية على عكس ما هو قائم في إيران فلقد تحولت العملية الديموقراطية إلى استئثار بالسلطة من قبل المحافظين المتشددين دينيا ً و لم يعد المجال مفتوحا ً أو متاحا ً لأية مساهمة فعلية أو جزئية من قبل طوائف أخرى أو توجهات ليبرالية خارج دائرة المحافظين المتشددين و السبب في ذلك يعود إلى خلو المرجعية الدستورية في إيران إلى توجهات ليبرالية أو علمانية.
تنبه آخرون إلى ضرورة ذكر المسيحية إلى جانب الإسلام حيث أنها كانت و ما زالت تشكل عقيدة و انتماء ً و خلفية ثقافية لشريحة سورية ذات وزن حضاري و ثقافي مؤثر في تاريخ سورية و حاضرها و مستقبلها. كما رأى آخرون ضرورة الإشارة إلى الاهتمام و الاعتبار بمكونات الفسيفساء السورية المتنوع و المتباين.
"إعلان دمشق يستحق دعم كل المثقفين الديموقراطيين العرب، لأن معركة ديموقراطية سورية صارت اسما ً ثانيا ً لمعركة استقلال العرب و مستقبلهم" إلياس الخوري – القدس العربي.
و بناء ً على ما تقدم فإنني أدعو الجميع إلى دعم و تأييد مبادرة إعلان دمشق و خاصة من القوى العلمانية و الليبرالية التي ما زالت مترددة حتى لا تفوت الفرصة و حتى لا تسهم في إجهاض أول تجمع كبير ذو مشروع و ذو فاعلية للمعارضة السورية المتنامية و التي بدأ يصلب عودها ة تزهر ثمار جذورها و سيكون خطأ ً فادحاً الإحجام عن تأييد الإعلان بدعوى التحفظات أو الاعتراضات. ساهموا و شاركوا في هذا الحراك السياسي الهام بالقدر الذي يؤسس لمستقبل سوري تزدهر فيه الديموقراطية على أسس علمانية رحبة لا تستثني أحدا ً ترحب بالجميع على أساس المواطنة السورية انطلاقا ً من الجنسية السورية.