الثلاثاء، أكتوبر 18، 2005

تبدل التوازنات السياسية الداخلية في سورية بعد إعلان دمشق


معقل زهور عدي - منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي
يشكل إعلان دمشق حدثاً على غاية من الأهمية في مسار الوضع الداخلي السوري، وأهم ما يحمله من مغزى يتمثل في نقطتين:الأولى: تشكيله لتحالف سياسي واسع لم يسبق له مثيل في تاريخ سورية منذ أربعين سنة على الأقل، يلتقي على أهداف تعتبر بمجموعها برنامجاً سياسياً مرحلياً واضحاً ومتكاملاً.والأهمية هنا ليست في الأهداف الرئيسية بحد ذاتها فهي معروفة وربما أشبعت في التناول والبحث لدرجة أصبحت معها أقرب إلى الثقافة منها إلى السياسة، لكن الأهمية تكمن في الاتحاد بحد ذاته خلف تلك الأهداف، مثل ذلك الاتحاد من شأنه إطلاق عدة رسائل للداخل والخارج، رسالته للداخل: أيها الشعب هاهو البديل فانهض إلى مهمتك، ورسالته للخارج: في سورية معارضة موحدة تعرف ما تريد ومن العبث التفكير في صنع معارضة وفق مواصفات الخارج بل قد فات الأوان.لقد ولد مسار سوري للتغيير لا يشابه في شيء المسار العراقي أو اللبناني.النقطة الثانية: تتمثل في أن ولادة مثل ذلك التحالف ربما تؤسس لقطع الطريق على مسارات واحتمالات أخرى من بينها التفكك الاجتماعي، وانفلات العنف، والتدخل الخارجي بكل صوره ومنها التدخل العسكري.إعلان دمشق يرسم مشروع استقطاب وطني – ديمقراطي يفتح للضغوط السياسية والاجتماعية الداخلية أقنية تتيح إعادة توجيه الحياة السياسية في سورية نحو العقلانية بدلاً من التطرف والعنف والانقسام.ربما يعكس الوصف السابق جانباً من المسألة وهو المتعلق بالآفاق التي يشير إليها الإعلان لكن الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية يتمثل في دلالة تأثير إعلان دمشق في التوازنات السياسية الداخلية في سورية، فالمعارضة ازدادت قوة في حين تبدلت المعادلة الستاتيكية التي حكمت علاقة المعارضة بالنظام خلال فترة السنوات الخمس الماضية.النظام الحاكم كان ينظر للمعارضة دائماً كحالة يمكن التعايش معها ضمن شروط محددة. من تلك الشروط حصرها في الداخل، ومنعها من الامتداد، ووضع سقف منخفض لحركتها في المجتمع، ومراقبتها، ومضايقتها، وإبقاء سيف الاعتقال مسلطاً عليها، ووضع خطوط حمر لها تتضمن الابتعاد عن التيارات الإسلامية، والمحافظة على سقف للمطالب الإصلاحية لا يتم تخطيه، واليوم يمكن القول أن المعادلة السابقة قد انتهت، وهذا يعني فتح الاحتمالات أمام شكل جديد للتنافس القديم بين المعارضة والنظام.لا أحد يعرف بالضبط كيف سيستجيب النظام لانهيار أسس المعادلة السابقة، لكن من المؤكد أن استجابته ترتبط بالظرف السياسي الذي يمر به الآن من جهة، وبتطور وضعه الذاتي عبر السنوات الخمس الماضية من جهة أخرى.منذ انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث شهدنا بوضوح سياقاً لتطور الوضع الذاتي للنظام باتجاه التشدد تجلى بتقليص هامش الحريات العامة الضئيل المتاح (إغلاق منتدى الأتاسي مثلاً)، وليس ثمة ما يدعو للتفكير بإمكانية عكس ذلك المسار في الأفق القريب. وهناك مسألة التكيف مع الشروط الأمريكية للهيمنة ثقيلة الوطأة التي حاول النظام تعديلها ليحتفظ لنفسه بمساحة أوسع للقرار والحركة لكن محاولته تلك لم تعط أي مؤشر للنجاح حتى الآن ويضع ذلك النظام في مأزق يتفاقم باستمرار.هل يغامر النظام بتوسيع معركته في الداخل وبالتالي ازدياد الانكشاف تجاه الخارج، أم سيحاول احتواء تصعيد المعارضة بالتراجع ولو تكتيكياً؟حتى هذه اللحظة يبدو كل شيء مرتبطاً بتقلبات علاقته بالسياسة الأمريكية وبنتائج التحقيق في مقتل الحريري والتداعيات المحتملة.في ظل غياب الحضور السياسي للشعب السوري (وليس المجال هنا للحديث عن الأسباب) يبدو وكأن المعارضة السورية في خرقها للخطوط الحمر قد أحرقت سفنها، واتخذت خطوة تتصف بالجرأة لكنها لا تخلو من المغامرة من وجهة نظر توازن القوى، وإذا لم يسعفها الحظ فقد يصبح رهانها الواقعي على ضعف قدرة النظام على البطش بسبب ضغوط الخارج، وهو رهان ستظهر الأيام المقبلة جدواه، لكن الأهم من ذلك كله أن نقطة انعطاف مفصلية قد ارتسمت في المسار السياسي السوري الداخلي، وأن المعادلات السياسية الداخلية القديمة قد انتهت، بغض النظر عن النتائج التي يصعب التكهن بها في الوقت الحاضر.