الخميس، أكتوبر 27، 2005

مسلسل نزار قباني: دراما الكذب والافتراء تلصق رذائل الحاضر بالماضي

محمد منصور - شفاف الشرق الأوسط
لا يستحق مسلسل (نزار قباني) أن يطالب أحد بإيقافه. فالمطالبة بالإيقاف أو المنع، يمكن أن يعطيه شرف العمل المغامر الجريء، الذي يكشف شخصية شاعر إشكالي وعصر ديناميكي حار، فيثير غضب المتضررين من كشف الحقائق.. في حين أن مسلسل نزار قباني الذي نشاهد حلقاته في دورة رمضان الحالية، هو عكس ذلك على الإطلاق... مسلسل يمتلئ بالأكاذيب، وبالحقد الأسود على تاريخ سورية الذي لا يبدو مضيئا وحسب، بل هو شديد النصاعة إذا ما قيس بما نعيشه من تردي وفساد اليوم.

وهكذا فالأحرى بهذا المسلسل، أن يفضح عبر عرضه.. والاستمرار في عرضه، لا أن يُمنع مضمونه ويصور على أنه يحمل شرف الإثارة الفكرية في المواقف والقراءات، ويظهر صناعه بمظهر الأبطال في عرف الإثارة الإعلامية السائدة اليوم.
طفولة عجائبية وبيئة هجينة!

إن مشكلة نزار قباني الأولى، هي أنه يصنع بأيدي أناس غرباء عن بيئة الشاعر وعصره.. لا تعنيهم صدقية التاريخ في كثير أو قليل.. مع العلم أن صلة نزار قباني ببيئته، ليست صلة عابرة، بل هي أساس راسخ في شعره وأدبه وشخصيته ومواقفه.. فهذا الشاعر الذي ثار على البيئة الفكرية المتحفظة في دمشق في الأربعينيات، كان حتى في ثورته تلك عاشقا لمدينته، ولتراثها ولكل ما فيها. حتى أنه كتب يقول بكل تواضع وانتماء: (أنا خاتم لغوي من صياغة دمشق، نسيج لغوي من حياكة أنوالها، صوت شعري خرج من حنجرتها... إلخ). وهكذا فلا كاتب السيناريو الحوار ابن الساحل السوري (قمر الزمان علوش) قريب من هذه البيئة، ولا المخرج الفلسطيني الأصل (باسل الخطيب) يعرف مفاتيح وتقاليد هذه البيئة لدرجة انه لا يحترم حتى وئاثقية استحضار طقس الموت في تلك البيئة كما نرى في موت وصال!


وهذه الغربة عن البيئة تتجسد منذ الحلقات الأولى، حيث اختار المخرج ابنه الوحيد (مجيد الخطيب) ليؤدي شخصية نزار الطفل، فبدا هذا الطفل بعيدا كل البعد عن حالة الإقناع الفني التي يفترض أن يوصلها في أدائه وفي تآلفه مع المحيط الذي يفترض أنه نشأ فيه.. فهو لم يعش يوما في بيت دمشقي، ولم يألف يوما نمط العلاقة مع المكان الذي يشكل ذاكرة الطفولة التي استعادها نزار بحميمة في شعره حين كان مغتربا يكتب رسائله الشعرية إلى مدينته وأمه. وهذا ليس ذنبه بالطبع، بل مشكلة الذي اختاره ليربط اسمه بمجد هذا الشاعر العملاق بأي شكل من الأشكال. ومن هنا وبناء على توجيهات مخرجٍ بعيدٍ عن البيئة والشخصية، وكاتب لا يفقه سر المدينة، بدا مجيد الخطيب في أدائه متأرجحا بين العدوانية السافرة، والبلادة الذهنية... لا يجيد سوى تعابير الغضب والممانعة والعناد، باعتباره ابن المخرج الوحيد.. لا ابن أسرة تضم أربعة صبيان وبنت، لم يكن نزار أكبرهم ولا أصغرهم.. وبالتالي لم يكن هو الطفل الذي يغار أخوته من امتيازاته إن كان هو أول الأبناء، أو مكانته الخاصة في العائلة إن كان أصغرهم كما يحدث عادة.. وكما صوّره المسلسل ليبرزه دراميا بعيدا عن الحقيقة الموضوعية!

عصابات الكاوبوي تحكم سورية!
لكن مشكلة المسلسل الأخطر، ليس في الفشل الفني في تقديم صياغة فنية مقبولة لطفولة الشاعر ولموقعه في الأسرة، ولا في فشله كذلك في تقديم تصور جذاب لشبابه ومراحل حياته اللاحقة، بعيدا عن السطحية والسذاجة، وثقل الدم، وركاكة الحوار، وبرود الإخراج، الذي لم ينجح سوى في تقديم صورة تلفزيونية جميلة في التشكيل والإضاءة وحركة الكاميرا فقط. إن مشكلة المسلسل الأخطر هي في ذلك الاعتداء السافر على تاريخ سورية، وشتمه وتحقيره.. والمس بالشخصيات الوطنية التي ستظل حية في وجدان السوريين، رغما عن كل النوايا السيئة أو الطيبة (لا فرق) التي تم التطرق بها إلى ذلك التاريخ وشخصياته ورموزه!


ففي مسلسل نزار قباني يُشتَم الرئيس شكري القوتلي.. وتلفق له التهم، ويقال على لسان والد نزار.. إن هذا الرئيس الذي انفض عنه الناس، قد قام أزلامه في العرض العسكري في ذكرى عيد الجلاء بإجبار الناس على الجلوس في الكراسي الفارغة، بعد أن جمع طلاب الجامعة وأجبروا على ذلك عنوة... لأن الناس اكتشفوا حبه للوجاهة والسلطة فانفضوا عنه.. في حين تذكر ابنة شقيق الشاعر نزار قباني، الكاتبة رنا القباني في مقالتها المستهجنة لهذا التزوير أن جدها كان واقفا على الصندوق الانتخابي للرئيس القوتلي.. فكيف يمكن أن يشتمه!

إن شكري القوتلي لمن لا يعرف هو الزعيم العربي الوحيد الذي تنازل عن الحكم من أجل الوحدة، حين تنازل لجمال عبد الناصر ووقع معه اتفاق الوحدة بين مصر وسورية عام 1958، وهو الزعيم الوحيد في سورية الذي عاد كرئيس للجمهورية بعد أن خرج من الحكم، ولم يزور الانتخابات بنسبة 99.99 بالمائة وهو يمسك بمقاليد السلطة وأجهزة القمع والطغيان.. وثمة الكثير من المآثر العظيمة التي لا يتسع المجال لذكرها الآن، في حكم هذا الرجل، الذي يحاول المسلسل تدنيس سيرته زورا وبهتانا.

أما الرئيس أديب الشيشكلي قائد الانقلاب الثالث في سورية، فرغم ما عرف عنه من سلوك ديكتاتوري.. يذكره التاريخ، فلم يكن صانع ومؤسس تقاليد الفساد التي يعاني منها المواطن السوري اليوم، كما صوره المسلسل. فقد كان في عهده صحافة وأحزاب وحراك اجتماعي وسياسي، ولم يصدر قرارا بإغلاق وتدمير كافة الصحف والمجلات الخاصة كما فعل حزب البعث في انقلابه العسكري عام 1963. ويكفي أن التاريخ سيذكر له، أنه قرر الانسحاب من الحكم، لأنه لم يقبل أن يقتتل الجيش السوري في أواخر عهده.. ولم يرض أن يوجه جندي سوري بندقيته إلى صدر جندي سوري آخر حين حدث إنشقاق ضده.. فانسحب تاركا كرسي الرئاسة، في حين بنى رؤساء آخرون أتوا بعده حكمهم على سلسلة من المجازر والمذابح التي سيذكرها التاريخ بالتأكيد.. مهما طال عهد الكذب والتلفيق والتزوير!

سلك دبلوماسي بموظفي عمال كونسروة!

أما السلك الدبلوماسي السوري الذي يصوره المسلسل، فهو سلك وضيع.. يستغل فيه موظفو السفارات، حرم السفارة للدعارة.. كما نرى في موظف السفارة السورية في تركيا، الذي يأتي ببائعة هوى إلى مكتبه ليمارس معها الجنس وهو يقول لها بكل وضاعة: (أنا شامي ودمي حامي) وعندما يضبطه السفير متلبسا.. ويوبخه واصفا إياه بالوضاعة والانحطاط.. ينتهي الأمر عند هذا التوبيخ فقط. إذ نرى هذا الموظف الشامي ذي الدم الحامي، في مشهد لاحق وهو يشارك في مؤتمر صحفي.. وتستمر الإساءة للسك الدبلوماسي السوري في الخمسينيات، حين يصفه السفير السوري في تركيا: (بأن موظفيه لا يصلحون أكثر من عمال في معمل كونسروة ) نقلا عن زميله السفير السوري في لندن. أما رجال الحكم في عهد الرئيس الشيشكلي فيصفهم السيد قمر الزمان علوش كاتب السيناريو الحوار على لسان شقيق نزار الأصغر د. صباح قباني.. بأنهم أشبه بقطاع طرق ورجال عصابات على نمط الكاوبوي في الغرب الأمريكي... أما تجار دمشق فهم يجمعون الأموال ليصنعوا تمثالا لأديب الشيشكلي في ساحة المرجة، في حين أن آلاف الأطفال يموتون بسبب سوء الرعاية الصحية، ولأنه لا يوجد مشفى تخصصي واحد للأطفال في سورية!

هذا غيض من فيض الإساءات التاريخية التي يلحقها هذا المسلسل بتاريخ سورية ورجالاتها، وبمجتمع مدينة دمشق وبيئتها، متكئا على ما يبدو من خوف الناس من الدفاع عن ذلك التاريخ... ومن السياسة السائدة في سورية منذ أكثر من أربعين عاما، والقائمة على طمس أي ملمح مشرق في تاريخ سورية قبل حكم البعث وانقلابه العسكري في الثامن من آذار عام 1963.

إسترخاص إنتاجي وادعاءات ثقافية!
أما شاعرنا نزار قباني فما زال سادرا في سيرته العطرة التي يختلقها المسلسل من كباريه إلى آخر، ومن ملهى إلى آخر، ومن كأس يومئ به إلى سيدة في خمارة.. إلى آخرى، يعيش حالة برود قاتلة مع زوجته الأولى، التي تظهر في صورة غريبة عن البيئة والمصداقية التاريخية في كل شيء... ناهيك عن المشكلات الفنية التي تطبع هذا العمل، من بطء إيقاعه، إلى استرخاص الجهة المنتجة في اختيار أرخص الممثلين أجورا في سورية ومصر باستثناء ستة ممثلين أساسيين من النجوم. فيظهر توفيق الحكيم مثلا عبر ممثل ناشئ مغمور، وتظهر رجالات مصر وسورية عبر ممثلين كومبارسيين من الدرجة الثالثة، في حين أن الشركة المنتجة كانت تمن على أسرة الشاعر نزار قباني بأنها ستنتشله من رقاده في هذا المشروع الوطني والثقافي النبيل، وفي حين كانت تشتم أسرة نزار قباني لأنها كانت تطالب بحقها المادي والمعنوي، الذي لم تحفظه لها المحاكم السورية في النهاية!

إنتظروا مهازل التكريم والإشادة!!
نعم.. مازال مسلسل نزار قباني مستمرا في عرضه، والأحرى به أن يستمر، والأحرى كذلك أن يكرم كاتبه ومخرجه وصناعه على الإساءات الفاجرة التي يرتكبوها زورا وبهتانا بحق تاريخ ورجالات سورية، وبحق مدينة دمشق وشاعرها.. ولا تستغربوا أن تظهر الصحف الرسمية السورية والمجلات لتشيد بالمسلسل، وتعتبره معجزة فنية، وتتهم من يعترضون على إساءاته بأنهم رجعيون، وبأنهم حاقدون ويريدون أن يظهر تاريخ نزار قباني ناصعا، وعصره مضيئا ومشرقا، لأن عقولهم مغلقة وشخصياتهم مهزوزة لا تحتمل قول الحقيقة المرة!

ولا تستغربوا أن يقوم التلفزيون السوري أو الجهة المنتجة بالمبازرة على جائزة له في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون القادم!!

وسيكون على عشاق نزار قباني وعلى أسرته، أن يتجرعوا مشاعر الاستفزاز والاغتيال لذكرى نزار قباني مرتين.. مرة عند إنتاج هذا المسلسل وعرضه رغما عن أسرة الشاعر وحقها المادي والمعنوي، ومرة أخرى مع التزوير الإعلامي الذي سيقابل به المسلسل في الإعلام السوري الذي لم يعتد أن يكون صوت الحقيقة يوما، والذي تعامل مع حدث رحيل نزار قبل سبع سنوات بأوامر رسمية منعت مواكبة حدث الرحيل. وأذكر أنني كنت يومها محررا في مجلة تشرين الأسبوعي الرسمية، وأبلغني الشاعر علي كنعان الذي كان رئيس القسم الثقافي في المجلة حينها، أن الملف الذي كنا نعده عن نزار قد منع بأوامر عليا، وجهت للصحف الرسمية الثلاث!

أجل سيكرم صناع هذه المهزلة، ومروجي مسلسل الأكاذيب.. فكل المؤشرات في المسلسل تقول، أن تاريخ سورية الأسود منذ عهد الرئيس شكري القوتلي، وتاريخ رجال عصابات الغرب الأمريكي الذين كانوا يحكمون سورية في عهد الشيشكلي، كانوا جذوة الشعلة التي ولدت- بقهرهم وظلام فسادهم- فجر الثامن من آذار.. حين بدأت تباشير النهضة والبناء بالبزوغ، لتترسخ منذ ذلك التاريخ صيغة سورية الحديثة التي نعيشها بكل رخاء واعتداد.. فالمسلسل يشتم تاريخ الخمسينيات المضيء من أجل أن نكون قادرين على أن نرى دولة المخابرات والاستبداد، ودولة الصحافة الموؤودة والإعلام الذي لا يحترمه أحد، والدبلوماسية التي تحول الأصدقاء إلى أعداء، والفساد الحكومي الذي يصبح علاجه انتحار رئيس وزارة بعد بقائه في الحكومة الرشيدة ثلاثة عشر عاما دون أن يكتشف فساده الشخصي المحدود أحد... هي الدولة التي تليق بحلم شاعر كنزار قباني وبأحلامنا أيضاً!

التاريخ سيلعنهم!
لكن رغم كل الأكاذيب، ورغم كل الافتراءات، ورغم الصمت المقهور، ورغم استفزاز المشاعر والنفوس، ورغم الإهانات التي ترتدي لبوسا فنيا بريئا، اسمه (وجهة نظر في المرحلة والشاعر عبر مسلسل تلفزيوني) ورغم الخوف الذي يتحرر أو لا يتحرر لكي يقول الحقيقة، ورغم ما ننتظر من عهر التكريم الاستفزازي الذي يتاجر بذكرى نزار ويقيم مأتم الشماتة على جثة عصره، فإن التاريخ هو الأصدق والأقوى والأبقى. وسيأتي اليوم الذي يلعن فيه التاريخ صناع مسلسل نزار قباني، ويكشف فساد ما أنتجوه.. وستلحق هذه اللعنة بكل من شارك في هذه المهزلة.. وبكل من كتب وصور وأنتج وأخرج حرفا من حروف شهادة الزور والبهتان، التي يبقى تاريخ سورية رغم ما حاق به من عسف وجور وظلم، أكبر من أن يطمس حتى النهاية، أو يزور على رؤوس الأشهاد وفي ظل صمت البعض أو الكل!