الأربعاء، أكتوبر 26، 2005

المعاني الكبيرة لإقرار الدستور العراقي

د. شاكر النابلسي - إيلاف
خطا العراقيون بالأمس خطوة واسعة نحو الحداثة السياسية، وبناء العراق الجديد على أسس حديثة ومغايرة لكل ما هو قائم في العالم العربي من هياكل سياسية تقليدية، عندما توجه عشرة ملايين ناخب (60 بالمائة من الناخبين العراقيين البالغ عددهم 15.5 مليون ) تحت التهديد والوعيد بالموت والدمار، وقال 5 و 78 بالمائة منهم "نعم" للدستور الجديد.
فما هي المعاني الكبيرة وراء اقرار الدستور العراقي الجديد؟
1- أن إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، قد نفى مقولة أن لا دستور يُكتب تحت الاحتلال، وخاصة إذا كان هذا الاحتلال من النوع الذي في العراق (الاحتلال الاختياري) أو (الاحتلال الطوعي) وليس ( الاحتلال القهري). فالشعب العراقي بممثليه هو الذي دعا قوات الاحتلال لكي تأتي إلى العراق لتخلصه من عهد الطغيان. والشعب العراقي هو الذي سيطلب باختياره أيضاً غداً من الاحتلال أن يرحل مع الشكر، بعد أن يكون العراق قد استكمل قوته ومنعته الذاتية وبناءه السياسي الجديد. والدستور العراقي الذي تمَّ لا يختلف عن الدساتير اليابانية والكورية والألمانية التي تمت تحت الاحتلال أيضاً. ويستطيع الفلسطينيون - إن أرادوا الآن - أن يكتبوا دستورهم ويطرحوه للاستفتاء رغم أنهم تحت "احتلال قهري"، لو استطاعوا أن يقنعوا الفصائل الفلسطينية الدينية المسلحة التي تشكل العائق الكبير لعدم كتابة الدستور الفلسطيني ، نتيجة للصراع الفلسطيني القائم الآن بين العلمانيين (فتح والجبهة الشعبية وغيرهما) وبين دعاة الدولة الدينية (حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما).
2- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، يضيف إلى السيناريو العراقي الجاري الآن في العراق قوة وزخماً، ويضيف اليه بعداً تاريخياً، لكي يصبح النموذج العراقي هو النموذج العربي المبتغى والمرتجى رغم المآسي والدماء الغزيرة التي بذلت من أجله، وجعلته غالي الثمن ومرتفع القيمة السياسية، مما يجعل العراقيين يعضون على العراق الجديد بالنواجذ، ولا يفرطون به أبداً.
3- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، مهد الخطوة السياسية التالية نحو استكمال البناء السياسي للعراق الجديدة، وهي الانتخابات التشريعية القادمة للجمعية الوطنية العراقية الدائمة التي ستنتخب رئيس الجمهورية وتختار رئيس الوزراء الجديد. وبذا يكون البناء السياسي العراقي قد اكتمل خلال فترة قياسية ( عامان وثمانية أشهر) وهي فترة أقل بكثير من الفترة التي قضاها الشعب الياباني والكوري والألماني في بناء دولتهم الجديدة. ويعود السبب في ذلك إلى القدرة الهائلة والقوة الكبيرة للشعب العراقي على اكمال البناء السياسي الجديد، بما لهذا الشعب من تراث حضاري ضخم، وانتهاء الحرب الباردة، وتقدم العصر، والانجازات التكنولوجية التي تحققت، وبدء تفعيل العولمة الاقتصادية.
4- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، نصر كبير للحداثة السياسية العراقية التي تجلّت في مواد الدستور القائمة الآن، وفي مرونة هذا الدستور للتغيير والتبديل في المستقبل. ولعل أبرز مظاهر الحداثة السياسية في هذا الدستور اعتبار كافة العراقيين "مواطنين لا رعايا" كما نادى الراحل خالد محمد خالد قبل نصف قرن في كتابه الشهير (مواطنون لا رعايا) في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس واللون والدين والطائفة والمذهب. وذلك مكسب سياسي واجتماعي يتحقق لأول مرة في العالم العربي، في ظل اضطهاد الأقليات في العالم العربي، وعدم اعطائها حقوقها كاملة كمواطنين من الدرجة الأولى.
5- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، هزيمة منكرة للارهاب وإعلام الارهاب في العراق. وكأن العراقيين قد قالوا للارهابيين وإعلامهم في إقرار هذا الدستور، أنه مهما ارتكبتم من جرائم، ومهما أسلتم من دماء زكية وبريئة، ومهما دمرتم من بنية تحتية، ومهما خطفتم من ابرياء، ومهما فجرتم من مبانٍ، ومهما لوثتم مياه دجلة والفرات، فسوف يستمر بناء العراق الجديد. ولا توجد قوة ارهابية على الأرض يمكن أن تعيق البناء السياسي الديمقراطي الجديد للعراق.
6- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، أثبت أن الديمقراطية في العراق الجديد ليست كذبة، وليس خدعة، وليست مؤامرة، وليست أضحوكة كما يصفها الإعلام العربي الإرهابي المتشنج. فعندما تكون نتيجة محافظتين عراقيتين (الأنبار وصلاح الدين) هي رفض الدستور بنسبة 98 بالمائة، ورفض محافظة ثالثة (نينوى) بنسبة بسيطة، فهذا يعني أن آلية الديمقراطية العراقية قد بدأت تعمل بشكل جيد، وبصدق كبير. وهو مثال ديمقراطي يجب أن يحتذى في العالم العربي من ضمن ما يجب أن يحتذى في هذا العالم، على غرار ما يجري في العراق الديمقراطي الجديد. وأن القائلين بأن الديمقراطية العراقية هي ديمقراطية المارينـز ما هم إلا عقول خرّفت وتهالكت، وما زالت تعيش في ظلام شعارات الديكتاتوريات العربية التي ما زالت قائمة إلى الآن، والتي أنزلت بالأمس الشعب السوري إلى الشارع ليرفع رايات الرفض والشتيمة للشرعية الدولية وقضاتها وتقاريرها في تحدٍ سافر ومجنون للعالم وللرأي العام العالمي، كما فعلنا في السابق في العراق في العهد البائد، وفي ليبيا قبل درس التاسع من نيسان 2003 المفيد.
7- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، قد أقنع عرب سُنّة العراق – وتلك خطوة في منتهى الأهمية – أن في العراق الجديد ديمقراطية نزيهة وشفافة. ولهذا قرروا جميعاً خوض الانتخابات التشريعية في ديسمبر القادم، حتى لا يفوتهم القطار السياسي العراقي الجديد الاكسبرس، كما فاتهم في الانتخابات التشريعية الماضية في يناير وتركهم أيتام حزانى ومعزولين على الرصيف السياسي العراقي. وبهذا سوف يُلقي العرب السُنّة السلاح ويتخلون عن دعم الفصائل الارهابية، وينخرطون في العملية السياسية العراقية. وهي بمثابة عودة الوعي إلى عرب سُنّة العراق، وعودة عمل العقل، كما قلنا في عدة مقالات سابقة.
8- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، لم يترك للعرب المترددين في الوقوف إلى جانب الشعب العراقي – وما أكثر عددهم وأقل نفعهم – المجال لكي يبقوا على مواقفهم السابقة، بعد أن أثبت لهم الشعب العراقي خطوة وراء خطوة وسنة بعد أخرى، بأنه جاد ومجاهد في سبيل تحقيق حريته وديمقراطيته. وهذا هو ممثلهم (صح النوم) عمرو موسى في قلب العراق للمصالحة والوفاق. علماً بأن العراق ليس بحاجة للعرب على الإطلاق. فهو قد أنجز بناءه السياسي الجديد خلال عامين ونصف العام دون مساعدة العرب، بل إن العرب كانوا عامل تعطيل وعائق في طريق خطواته السياسية نحو الحرية والديمقراطية. وكل ما فعله العرب بالنسبة للعراق أن أجبروه وأرغموه - بدعمهم للارهابيين سياسياً وإعلامياً ولوجستياً -على دفع ثمن حريته وديمقراطيته غالياً. وحالوا بشتى الطرق الجهنمية أن يثنوه عن تحقيق آماله وأمانيه في الحرية والديمقراطية. ولكن الشعب العراقي كان أصلب عوداً وأكثر قوة من قوى الظلام والاستعباد، فانتصر عليهم. وها هو اقرار الدستور العراقي الجديد يمثل انتصاراً جديداً للشعب العراقي على هذه القوى الطاغية التي بدأت تتلاشى وتنهار شيئاً فشيئاً. وأعتقد بأنها ستنهار وتتلاشى نهائياً بعد الانتخابات التشريعية القادمة في ديسمبر عندما ينخرط كافة السُنّة العرب في البناء السياسي للعراق الجديد.
9- إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، سوف يشجع المجتمع الدولي والشرعية الدولية على دعم العراق سياسياً واقتصادياً. وسوف يثبت للمجتمع الدولي والشرعية الدولية بأن شعب العراق شعب جدير بالمساعدة والرعاية. وهذا سوف يعزز من مكانة العراق الجديد في المجتمع الدولي. ولعل النـزاهة والشفافية اللتان كانتا عنوان الاستفتاء على الدستور أثبتت للمجتمع الدولي والشرعية الدولية أن الشعب العراقي جدير بالديمقراطية، وأنه خير من يمارس ويحافظ على هذه الديمقراطية في العالم العربي.
10- وأخيراً، فإن إقرار الدستور العراقي على هذا النحو، نصر كبير لكل الليبراليين في العالم العربي، وهزيمة وخيبة أمل لكل الظلاميين الذين وقفوا ضد الشعب العراقي وحريته وديمقراطيته، متمسكين بحجج واهية، أكل عليها الدهر وشرب، وتجترها السائبة. واستطاع الشعب العراقي أن يثبت لهم بأنها شعارات فارغة، قد عفا عليها الزمن. لقد قال العفيف الأخضر – رد الله لنا غربته وشفاه - في آخر مكالمة هاتفية لي معه من باريس، أن كل يوم يمر على العراق هو يوم جديد فيه تاريخ جديد وفي انجاز جديد. والعراق لا يسير إلى الوراء أبداً. وأن هذه الحوادث الارهابية اليومية ما هي إلا قشرة العراق الجديد التي سوف تقبع غداً. وأن العراق الجديد هو ذاك العمق الذي لا يراه إلا من فتح الله قلبه للحرية . وهذا العمق يتمثل في الانتخابات التشريعية واقرار الدستور وقبل ذلك في انتخاب رئيس جمهورية كردي، لأول مرة في التاريخ العراقي والعربي الحديث، حيث يحكم بلداً عربياً رئيس غير عربي. وكأن العرق يعيد أمجاد العرب من جديد التي كانت في عهد صلاح الدين الأيوبي الكردي كذلك . وتلك هي واحدة من مكر التاريخ كما قال هيجل