الثلاثاء، نوفمبر 15، 2005

جحا... وخالته

راشد فايد - النهار
خوف وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في المنامة على استقرار لبنان، اذا اجريت التحيقات الدولية مع الضباط السوريين في المونتي فيردي، خوَّف اللبنانيين على سوريا.
و"تداهي" (على وزن تذاكي) الوزير السوري في الاشارة الى قدرة سوريا على هز الاستقرار اللبناني، اعاد الى الاذهان ذكرى توريد القوى الاقليمية، بمباركة دولية، اضطرابات المنطقة الى لبنان عقب هزيمة 1967، ومعركة "ايلول الاسود" في الاردن، وثبوت عجز الانظمة العربية عن ترجمتها شعارات تحرير فلسطين ومعها الجولان، ولاحقا مواجهة سلام كمب ديفيد. يومها، عرفت المنطقة، ومعها سوريا الاستقرار وغرق لبنان في فوضى الحرب.
لم تكن الصورة نفسها غائبة عن الاذهان ايضا حين استحضر الرئيس السوري بشار الاسد مبضع القومية العربية الذي تحاول دمشق احتكاره ليفرز اللبنانيين بين معادين لسوريا وللعروبة، وموالين لاسرائيل، قبل ان يضع الجميع معا في سلة واحدة، حين اعلن انه يرى "لبنان اليوم ممرا ومصنعا وممولا للمؤامرات على سوريا".
وحين خرج وزراء "حزب الله" وحركة "امل" من جلسة مجلس الوزراء اعتراضا على مناقشة خطاب الاسد، وبدا النصاب الطائفي للتوازن السياسي مهددا، لم يصل القلق الى حد الخوف. فلقد تعمد الوزراء الشيعة ان تصل رسالة التجاوب مع القصف السوري لـ 14 آذار، علناً الى دمشق، ولم يكن كافيا، ربما، ان يكتفوا بالاعتراض داخل السرايا. واستكملت الرسالة بايقاظ البقاع ومعه زحلة على التحرك الشعبي، وبأوسع الاشكال، ضد ارتفاع سعر المازوت وربطه بـ"الموقف القومي المطلوب"، واستتبع كل ذلك بتساؤلات نواب الحزب والحركة، ومعهم وزراء الايام الاخيرة من الحقبة البائدة، عن صدقية رئيس الوزراء فؤاد السنيورة في الموقف من البنود المتبقية من القرار 1559، واستكملت الصورة باعتداءات فردية في البقاع على بيوت ترفع صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لكأن هز الاستقرار يسير على ثلاثة خطوط: سياسيا، بتساؤلات متذاكية تتجاهل التزام لبنان المعلن (بموافقة وزراء 8 آذار، تطبيق القرار الدولي، في اطار حل لبناني داخلي. وشعبيا باشعال الدواليب للتعمية بدخان المازوت على الايحاءات السورية الصريحة. وافراديا بجعل تقدير استشهاد الحريري موضع خلاف بدل محط اجماع.
لكن ازمة الماوزوت ستجد حلا في مجلس الوزراء، والتزام لبنان الدولي واضح الا اذا كان محتكرو التمثيل النيابي للشيعة يريدون تمرد لبنان على المجتمع الدولي، فتتقدم ازمة سلاح المقاومة والمخيمات على عقدة سوريا مع لجنة التحقيق الدولية، ويصير الاستقرار الداخلي في مهب الاخطار، فتتحقق "مخاوف" الشرع.
إلا ان شيئا من ذلك لن يحصل، رغم توسيع حلقة الزجالين على ايقاع صدقية السنيورة، محاولين على طريقتهم، نفي نكران الجميل التي رمى بها الاسد اللبنانيين جميعا في محاكمة قادها بنفسه، وكان فيها الخصم والحكم.
لن تتحقق مخاوف الشرع لايمان اللبنانيين جميعا بحد ادنى يجمعهم هو حرصهم على لبنان، سيدا مستقلا. ولن يحصل لأن نفي التآمر على سوريا لا يكون بتخريب السلم الاهلي، او اعادة لبنان حلبة "كباش" بين دمشق والمجتمع الدولي. فاللبنانيون معنيون بوصول التحقيق الدولي باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الـ 22 الى الحقيقة، وغير مسؤولين عن الخطوات الاجرائية، سواء احضر الضباط السوريون المتهمون الى مونتي فيردي او اقتيدوا الى سفوح الجولان المحتل الذي تذكر الاسد اهله بتحية صمودهم، ولم يشجعهم على تخطي الصمود الى المواجهة، لاحترامه، ابنا عن اب، القرارات الدولية ولو لم تتحقق.
لم يقصر لبنان، بكل لبنانييه، في تمسكه بعلاقات مميزة بين بلدين، ولم يتنكروا للشعب الواحد فيهما، لكن خوف الشرع وغيره، يأبى الا ان يلمح الى الحرص على استبقاء لبنان حديقة خلفية لسوريا حيال المجتمع الدولي، فستستهل دمشق التشكيك بعروبة اللبنانيين وحرصهم عليها، وتقدم العروض للعراق وفي قضيته، وتهادن تجاه السلطة الفلسطينية، لكأن جحا لا يقوى الا على خالته زوجة ابيه، على ما يقول المثل الشعبي، فيما هو لم يعد كذلك.

ليست هناك تعليقات: