الاثنين، نوفمبر 21، 2005

الأسد الابن شابٌ شاحبٌ غاضبٌ


أديب طالب
هذا مقال فيه بعض الطرافة وبعض النكد. تعقيب على خطاب غاضب في غاية الخطورة؛ إذا أصر صاحبه على ما فيه سيقرر مستقبل سورية الديمقراطي ومصير النظام الاستبدادي. وسيؤثر في حاضر العراق ولبنان وفلسطين والشرق الأوسط كله. في سوريا يصنع التاريخ الآن، رديئاً كان أم جيداً. تَعمُدي لبعض الطرافة والمناكدة هنا ليس من باب التزيين فأنا متفائل بمستقبل بلدي، ولو كره الطرف الموضوعي والعجز الذاتي السوري، الذي خفف منه إعلان دمشق ومبادرة الترك. والخارج المتكبر القادر، بطيء الحركة والفهم لعقل وقلب الشعوب.الشعب السوري يستحق الحرية مثل شعوب الأرض قاطبة. الشعب السوري ملّ الخوف والاستعباد. سأحاول تتبع الخطاب رغم ما في ذلك من صعوبة بالغة فإن أعجبت القارئ فله الشكر، وإلا فأنا آسف حقاً. الخطاب ليس سهلاً والتعقيب ليس يسيراً على الإطلاق، إلا إذا أحببنا أن نلقي الكلام على عواهنه.الخطاب: (الظروف السياسية تجعلنا أكثر وحدة وأكثر قوة وأكثر حيوية) كلمات إنشائية مجانية – منفلوطية لا صلة لها بالواقع، الشعب مزقه النظام الأمني إرباً، والفساد أنهك الدولة والأمة، وإرهاب النظام محى الحيوية من وجوه الناس وشفاههم من سنوات طوال.الخطاب: (نحن كنا في مرحلة سياسية صعبة، ولم تكن تختلف بمضمونها السياسي وتحدياتها عما هو عليه اليوم) الفرق بين المرحلتين يملأ بضع مجلدات، والفرق كضوء النهار لا يحتاج إلى دليل، إلا لمن يلوون عنق الأحداث، ويضعون التاريخ على سرير بروكست*. سقوط جدار برلين، سقوط الاتحاد السوفياتي، طرد صدام من الكويت، أحداث 11 إيلول، سقوط صدام في حفرة العنكبوت والتقاطه منها، العراق الجديد، لبنان الجديد، فلسطين الجديدة. وقائع قلبت مراحل التاريخ في الأرض كلها... ويقول الخطاب أن لا اختلاف!!. الخطاب خائف، "رد على الأمة من اجتياح الهوية الحضارية والوجود القومي قبل اجتياح الحدود وعبر التقنيات والأموال والأبواق". لا تجتاح الحضارة إلا حضارة أرقى منها، والتاريخ في المحصلة لا يعود إلى الوراء، الحضارة نتاج مشترك لكل أبناء الأرض، وثمرة لجهود أوطان الدنيا كلها. وعقل المؤامرة لا يلغي إلا صاحبه، والتقنيات والأموال والأبواق سلعة أغرقت أسواق العالم من واشنطن حتى نواكشوط.المسكوت عنه في الخطاب كثير وبعضه "أنا وسلطتي ونظامي وشعبي أراد واعياً أم لم يُرِدْ مضلللاً في ضفة، والكون على الضفة الأخرى، واندلاع الحرب ينتظر شرارة واحدة، ولنا في صمودنا وتحدينا علامة نصر أكيد". النظام على شفا جُرْفٍ هاوٍ ينضح شجاعته من بئر خوفه العميق، ويحلم بمعجزة تشق له البحر، ويطلب من الشعب أن يسنده كالبنيان المرصوص، فأفضاله عليه لا تعد ولا تحصى عبر ثلاث وأربعين عاماً من الحكم الرشيد والحرية والرفاه. دَخْلُ الفرد السوري انخفض عشرات المرات، والنهب والفساد وسوء الإدارة وإرهاب الدولة ارتفع عشرات المرات في ظل النظام الأمني الآبد، فعلى أي وتر تعزفين يا ربابة التخلف، ومهما نفخت فالقربة مقطوعة من زمن طويل.الخطاب: (الإصلاح السياسي يعني بلداً بلا ضوابط، والاقتصادي فتح الأسواق وانتظار الصدقات والفتات، والثقافي خلع الجلود) الإصلاح السياسي، أن يأخذ المواطن حقه من السياسة، كحقه من الماء والهواء، لا أن تُقْصَرَ السياسة على البعث والأمن. والضوابط القهرية لا تُصْلِحُ السياسة بل تفرضها بالخوف والرعب. الضوابط الفاعلة في تطور الشعوب الحضاري تلقائية وطوعية، ونتاج لعقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، يسقط إذا أخل به طرف، ليعود المجتمع فيقيم عقداً جديداً. أما الاقتصادي فالصين والنمور الآسيوية أصلحت الاقتصاد. فما تصدق عليها أحد، ولا رمى لها الفتات عُتاة المجتمع الانكلو ساكسوني. أما الثقافي فأساسه الحوار والتمكن من المعرفة والفنون واتقان فن التواصل مع الآخر، لا سَنَّ الحراب ووضع الطلقة في بيت النار، وخلع الجلود، وجزّ فروات الرؤوس.الخطاب: (على سورية مسؤولية تاريخية في العراق ولبنان وفلسطين) في العراق يبنون نظامهم السياسي الديمقراطي رغم التمرد الصدامي والزرقاوي عالي الإجرام، ورغم وفرة أخطار الخارج الذي أصبح داخلاً. فصدام باع شعبه في زمن السلم وسرقه في زمن الحرب. وما يراه العراقيون حَسَنٌ فهو حَسَنْ. والحديث عن الجداول الزمنية الانسحابية تَدَخُّلٌ لا معنى له، طالما أن الديمقراطيين هُزِموا أمام الجمهوريين وللمرة العاشرة في 19/11/2005 في اقتراع الكونجرس. في لبنان شبه إجماع من الدولة والمجتمع على خروج النظام السوري. وهل المليون ونصف ناخب مغرر بهم؟. ليتنا في سوريا يغرر بنا!!، فاستفتاءاتنا ما بين 96% و 99%. أما أن السنيورة (عبد مأمور لعبد مأمور)، فكلنا عبيد مأمورين لله صاحب العزة والجلالة، خالق العولمة، وحامي السوريين، وهادم الأنظمة، وصانع الهيمنة، العزيز الجبار المتكبر المهيمن، مُسَطِّحِ الأدمغة، يعز من يشاء ويذل من يشاء.في فلسطين، أبو مازن رئيس منتخب، يريد سلاماً عادلاً مشرفاً. وما قاله الأسد الابن عن فلسطين حق بون شك. ما يراه الفلسطينيون حسن فهو حسن، شرط ألا تقلب الطاولة في وجههم، بمساندة الفصائل العشرة، المحدودة الفعل المنتهية الصلاحية.فأين هي هذه المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق سوريا القومية العربية؟. ألا تكفي عاتقنا أثقاله وأوزاره. اختراع الأعمال والأثقال والمسؤوليات، لن يثقل إلا كاهل مخترعيها الواهمين. لنتذكر جيداً قول الأمير تركي الفيصل: "الحريري مواطن سعودي وعلى سوريا تسليم المشتبه بهم". تضاءل العمق العربي لسوريا إلى بضع مليمترات لا أكثر.الخطاب: (لا سوريا متورطة على مستوى الدولة ولا على مستوى الأفراد. المعطيات تؤكد هذا الشيء. وأريد أن أطمئن لهذه الفكرة) يقول الخطاب "بريء والنبي يا بيه" ويقول مجلس الأمن "مشتبه والنبي يا بيه" هل تقيد الجريمة ضد مجهول؟. والعالم كله يلهث خلف الحقيقة. هذا ما لن يحصل بالتأكيد. وفي جلسة النطق بالحكم باسم شعوب الأرض: مذنب ورب الكعبة ورب هنولولو. ومن الأفضل أن ينقل صاحب الخطاب اطمئنانه من ضفة إلى أخرى. ففي الحركة بركة ولا تكن قاسياً فتكسر.الخطاب: (لا يجوز أن نخاف... اقتل نفسك أو أقتلك... لن نذهب باتجاه قتل أنفسنا) إذن بروح العبارة، يقول الأسد: لن نسلم شاهداً أو مشبوهاً أو متهماً في أي أرض وفي أي زمان. والتقرير أثبت البراءة كاملة مطلقة. وطالما أن "سوريا الله حاميها" فعلي وعلى أعدائي وعلى شعبي!. هل قدر الشعوب أن تتعذب مرتين، مرة باستعباد مستبدها لترابها وهوائها ومائها وثرواتها ورقاب أبنائها، ومرة بجريرة الاشتباه بارتكاب عدد من أفرادها لجريمة لا ناقة لها ولا جمل؟. الوطن ليس دريئة والشعب ليس رهينة وسيد القوم خادمهم لا عادمهم ولا قائدهم إلى الفتنة لا سمح الله. كم هو قاس حكم التاريخ على المستبد وعلى الخائفين.الخطاب (القرار 1636 لم يبن على التقرير، والتقرير لم يبن على التحقيق، والتحقيق لم يبن على مقتل الحريري) سلفادور دالي رحمك الله، ألهمت البعض الغرائب والعجائب، وفك المترابط والعبث واللاجدوى. وأنت ياسارتر البعض لم نتعلم منك إلا "الآخرون هم الجحيم". الخطاب إعلان حرب على كل شيء يتحرك، وكل شيء لا يتحرك، فميليس يتهم الشعب السوري كله العشرين مليون بني آدم بالتمام والكمال، ما بين شاهد ومشتبه به ومتهم بالقتل، ولذا نقول له: بعد تقريرك ثبتت براءتنا، نظاماً وشعباً وأفراداً وإلى الأبد. ابحث عن القتلة في قارة الأطلنطس الغارقة، أو في مثلث برمودا أو في الصحون الطائرة.هل إعلان الحرب هذا؟!، هذا الإعلان الخطابي، هذا النص الغاضب من الشاب الغاضب، من الأسد الابن. هل سيوهن عزيمة ميليس ويصلب السوريين حجراً صواناً أو ماساً قاسياً يجرح ولا يجرح؟. هل سيحجم الهجمة الدولية على النظام؟ هل سيحي الموتى؟. هل هو قادر على نبش قبور الإيديولوجيا التي قبرها التاريخ عندما أسقطت الديمقراطية من حسابها؟. بالديمقراطية فقط تعود القومية إلى الحياة، وبالديمقراطية فقط تتحقق الوحدة الوطنية حول رئيس منتخب، وبرلمان منتخب، وقضاء منتخب في فضاء نزيه لا رعب فيه. الديمقراطية هي الحل ولا شيء آخر.

ليست هناك تعليقات: