الأربعاء، يوليو 12، 2006

إحسان طالب: التعديل الوزاري في سوريا يكرس المواجهة

17\2\2006
قد نستطيع الوقوف على مدى أهمية أو قيمة التعديل الوزاري الجديد في سورية من خلال إدراكنا لفاعلية وقدرة الوزارات
في اتخاذ القرارات وتنفيذها ورسم السياسات الداخلية والخارجية للدولة. لذلك قد يكون من قبيل هدر الوقت مناقشة ذلك التعديل لأسباب مباشرة يدركها المحللون داخلياً وخارجياً، الذين يرون بأن مراكز صنع القرار والخطط والسياسات العامة والخاصة تتم في بلدنا بعيداً عن المؤسسات المدنية التي تعد الوزارات أهمها ، ومن المحسوم أن النظام في سورية ليس نظاماً مؤسساتياً يقوم على أساس دستوري متعارف عليه بين الأمم يتبنى فصل السلطات كأساس أول من مستلزمات الدولة الحديثة والديمقراطية .

ومن المتعارف عليه أيضاً أن الوزارات تتغير لأسباب عديدة منها الفشل في تنفيذ الخطط أو تحقيق التنمية أو بسبب اختراقات أمنية كما حدث في الأردن بعد تفجير الفنادق السياحية ، وتتغير لتغير الأغلبية البرلمانية كما حدث في الأراضي الفلسطينية وإما لتغير النهج في الظروف الاستثنائية والطارئة. ومن الطريف أننا في سورية لا نعترف بما هو متعارف عليه عند الآخرين ومن المأساوية أننا نعيش تحت قانون الطواريء منذ ثلاثة وأربعين عاماً ذلك القانون الذي يعني تعطيل المؤسسات الدستورية والمدنية.
ولم يسبق أن دار بخلد أحد من أبناء سورية منذ أربعة عقود تقريبا أن يربط بين الأغلبية البرلمانية وتشكيل الوزارة حيث يتم عندنا وفق الدستور السوري لعام 1970 ربط الصلاحيات المطلقة بكل ما يتعلق بالوزارة تعييناً وتشكيلاً من رئيسها حتى آخر وزير دولة فيها برئيس لجمهورية بلا قيد أو شرط عليه.
ولا توجد صلاحية لمجلس الشعب في موضوع تعيين الوزارات أو الموافقة عليها أو تشكيلها أو حتى حجب الثقة عنها، في ما ينص الدستور المذكور أعلاه على رقابة شكلية لمجلس الشعب على الوزارة ، هذا من حيث المبدأ ولكن من حيث لوقائع فلقد اعتاد الشارع السوري على النظر بعدم الاكتراث واللامبالاة حيال التعديلات الوزارية والتعيينات وتشكيل الوزارات الجديدة لأنه ثابت بالتجربة عدم تغيير الأوضاع السيئة التي تحيط بالوطن والمواطن الذي يدرك أن التغيير لا يأتي إلا برفع الأسعار وزيادة الضرائب وانتهاك الكرامة بمستويات مختلفة.
فالمرجعية الدستورية إذن من حيث المبدأ هي لرئيس الدولة، و المصدر الوحيد لصنع القرار هو القصر الجمهوري بمن فيه الذي يتكفل منفرداً بصياغة القرارات والسياسات وصناعة التشكيلات المدنية والعسكرية التي يناط بها مهمة تنفيذ وحماية ومتابعة ما يصدر عن البوتقة المركزية لصنع القرار. وبالتالي تغدو القيمة الخاصة للوزارة ورئيسها ومجلسها مدرجة في تحقيق الإرادات العليا والرغبات السامية و تبرز أهميتها في قدرتها على إنجاح المشروع المركزي لأصحاب القرار الحقيقيين .
ومما سبق نستطيع القول أن التعديل الوزاري الجديد إنما جاء لتكريس نهج هجومي في سياسة المجابهة والمقاومة الذي تبناه الأسد الابن في خطاباته الأخيرة تماشياً مع التيار المتشدد المتنامي في مركز صنع القرار والذي يرى ضرورة استخدام سياسة الحزم والقوة في التعامل مع الأزمات الحادة التي تعصف بالبلاد.
فالرئيس بشار في حدود معينة من اللباقة يحتفظ لفاروق الشرع بمكانة تسمح له ولو جزئياً اقتراح قرار أو ترجيحه أو تأكيده بحكم تاريخه الطويل على رأس الدبلوماسية السورية ، ومؤهلاته ومكانته في الحرس القديم تسمح له بذلك الحيز الضيق من الاشتراك بصنع القرار .وبالرغم من فشله الذي لا خلاف عليه فإنه في ظل الأوضاع الجديدة المتمثلة في تفاقم الصراع بين النظام والمجتمع الدولي بدا وكأنه يشكل عقبة في وجه السير نحو مزيد من المجابهة والتصعيد .
فالتيار المتشدد يرغب بتولي المعركة الدبلوماسية مباشرة بدون أية تدخلات أو إزعاجات من الشرع الذي كان يشكل رقماً صغيراً أو كبيراً في مجمل العملية السياسية و أصبح في ظل الترتيبات الداخلية الجديدة غير مرغوب فيه ولا ينبغي أن يحسب له حساب.
أوردت وكالات الأنباء أن الشرع اعتذر لنظيره الدانمركي عن حرق السفارة مباشرة بعد أن علم بالأمر مما يوحي بأن العملية تمت دون استشارته أو حتى علمه فغالب الظن أنه ما كان ليؤيد تلك التحركات لمعر فتة الأكيدة بالضرر الفادح الذي سيلحق بالدبلوماسية السورية المتعثرة أصلاً في مواجهة تكتل أوربة وأمريكا.في حين طالب وزير الأوقاف زياد الدين الأيوبي ( الذي ثبت في الوزارة الجديدة ) باعتذار من الحكومة الدانمركية التي وجهت انتقادات إلى دمشق لعدم اتخاذها تدابير كافية لمنع حرق سفارتها بحجة أنه شاهد بأم عينه قوات الأمن واجهت المتظاهرين ولم تستطع منعهم .
حرق السفارات واعتذار الشرع تلاه فوراً سحب ملف الخارجية من يده ، وإبعاد تدخله المباشر وتأثيره عن مركز القرار ، وطبقاً لعبارة نائب رئيس الجمهورية لمتابعة تنفيذ السياسة الخارجية والإعلامية يبدو جلياً أن رئيس الدبلوماسية السورية الأسبق غدا متابعاً عن بعد ، لتنفيذ سياسات تقرر وترسم قريباً من مقر وزارة الخارجية وليس في داخلها .
إذن فالمغزى من ترقية فاروق الشرع هو رغبة الطرف المتشدد في مركز صنع القرار باستلام ملف الخارجية والحقيبة الدبلوماسية مباشرة دون تدخل أو توجيهات أو انتقادات أو حتى نصائح من أحد خاصة من طرف مؤثر كالشرع الذي تحلى ببعض الاستقلالية في اتخاذ القرار منذ بداية عهد الأسد الابن.
ولا بد من الإشارة هنا بأن وليد المعلم الوزير الحالي للخارجية والنائب السابق كان المبعوث الرئاسي إلى العواصم العربية لشرح الموقف والتداعيات من قرار مجلس الأمن 1636 وتقرير ميليس الأول الذي اتهم فيه الشرع بالتضليل مما دفع بالمعلم إلى الواجهة.ونظراً لكونه يتولى الوزارة للمرة الأولى فهو سيكون أكثر طواعية والتزاماً بما يملى عليه.
فالتعديل الوزاري الجديد في سورية ينصب في حيز تكريس لمنهج صلب وعدائي أحادي الرؤية كان وما يزال يمارس سياسة الهروب إلى الأمام وينطلق في استقراء وتحليل ما يحدث وما يتوقع من خلال مفهوم عسكري يرتكز في أساسه على رغبات وأمنيات تستولي على جوهر رؤية تعتمد السياسات القديمة الجديدة القائمة على المبالغة القصوى في ردود الأفعال ( حرق السفارات ) من جهة و التركيز على أخطاء ومطبات وزلات الآخر وتضخيمها من جهة أخرى ( مسألة التعذيب في سجون العراق وفضيحة ضرب الجنود البريطانيين لشبان عراقيين عزل التي هزت وجدان العالم الحر وطعنت في مصداقية ونزاهة الغرب ) متجاهلاً ببلاهة شديدة حالات مشابهة أشد مأساوية قام بها منفذو القرار داخل المنظومة الأمنية السورية
فمن المثير للدهشة والغيظ أن تقوم وسائل الإعلام السورية بالتركيز على مخالفات لميثاق حقوق الإنسان قامت بها قوات الاحتلال في العراق دون الإشارة إلى أضعاف مضاعفة من انتهاكات لحقوق الإنسان مورست على السوريين والسوريات في سجون الاعتقال السياسي عرف البعض منه من خلال مذكرات كتبها وكتبتها معتقلون ومعتقلات رأي سابقون. وليس ببعيد ما مورس مؤخراً ضد النائب السابق مأمون الحمصي من ضرب وإهانة واعتقال ابنه رهينة بعد الإفراج عنه.

ليست هناك تعليقات: