الأربعاء، مايو 11، 2005

إحسان طالب_من بيروت إلى بغداد خكومة الأمل و البشائر

من بيروت إلى بغداد
حكومة الأمل والبشائر

هل هي مصادفة أم ترابط مقصود أن تأتي حكومة الجعفري الوطنية مع حكومة ميقاتي الاستثنائية في زمن متقارب لا تفصل بينهما إلا أيام قليلة. كلتا الحكومتين جاءتا بعد ولادة قيصرية استبدل دم النفاس فيها بدم الشهداء الأبرار من أبناء البلدين.
هل هي رياح المستقبل المعطر بنسائم الاستقلال والحرية أم أنها إرادة شعبين متمسكين بالأمل ومتشبثين بحق الحياة كواحد من أهم الحقوق الإنسانية على الإطلاق. إنها الإرادة والعمل مع رياح الربيع المعدية التي تنقل غبار الحرية من أرض إلى أخرى ومن ثمة إلى الأراضي المجاورة.
منذ ثلاثة أشهر ونحن بانتظار ولادة الحكومة العراقية العتيدة، وكل يوم نتقصى الأخبار ونتداول الآراء ونحلل الأسباب، وكانت قناعتي راسخة بالنهاية السعيدة . فالشعب العراقي الذي ذهب إلى الانتخابات تحت التهديد والوعيد وضع مصلحة الوطن العليا فوق كل امتياز واعتبر الشهادة الحقيقية وقوف شجاع وحر للإنسان من أجل بناء مستقبل بلده وأولاده وحماية ارثه الحضاري .
حدثني شيخ عراقي كان متحمسا بشدة للمشاركة بالانتخابات ، وكان يسكن في منزل مقابل لمركز انتخابي في حي ركن الدين في دمشق ـــ حدثني قائلا : لقد أمضيت سنواتي السبعين السابقة شاهدا على العراق المعاصر وشاركت في السياسة وأنا شاب و هربت من الطغيان وأنا شيخ. هل تعرف لماذا هربت .. لقد هربت من أجل هذا اليوم ، كنت أدعو ربي كل صباح ليمنحني الفرصة لبناء عراق كما أحبه وأتخيله، هل تدرك كم أحب أحفادي وهل تعلم ما أنا مستعد بالتضحية به من أجل مستقبلهم.
كان أبو قيس يقف في الشرفة المطلة على الطريق العام ينتظر افتتاح المركز وبقي طول الليل ساهر تماما مثلما فعل وهو بانتظار ولادة ابنه البكر قيس. ولم ينتظر طويلا حتى نزل وجلس نحو باب المركز ثلاث ساعات حتى سمح له بالمشاركة وخرج مبتهجا ومسرورا بعد أن مارس حق الانتخاب وكأنه ترك ثلاثين سنة من عمره في ذلك الصندوق وجدد شباب عمره ( العراق حنا أهله ما ينخاف عليه ) كانت آخر كلماته ، وآب إلى منزله ليرتاح قليلا ثم يعود ليراقب الداخلين والخارجين وكأنه في زفة عرس يعد المهنئين والمدعوين.
إن ا لنموذج الديمقراطي العراقي يحتذى ومثال فريد من نوعه لم يسبق أن عرف العالم شعبا ضحى مثل العراقيين ليشيع الديمقراطية في بلده .
جاءت حكومة الجعفري ( رغم النواقص ) محاولة جادة وحقيقية لمشاركة كل العراقيين على كافة تشعيباتهم في وضع الأساس الصلب والراسخ للديمقراطية بمفاهيمها المقترنة بالحداثة
قطار المستقبل والمتخلفين :
ليس مستغربا أن يعارض بعض أطياف النسيج العراقي الفريد حكومة الأمل فالقاعدة التي بنيت عليها هي الاعتراف بوجود الآخرين ، وإنها لظاهرة صحية وطبيعية ــ وجود معارضة ــ وكلما كانت العملية السياسية قائمة على أسس ديمقراطية كلما كانت المعارضة الوطنية في البلاد ظاهرة وقوية .
ونحن نتفهم مواقف البعض من باب الحرص على الوطن ، كما نستوعب الآخرين المخالفين بالرأي ولكن ينبغي أن يدرك الجميع بوضوح : لا عودة إلى الوراء ولا سبيل لعكس اتجاه دوران الزمن . أهل هذا الزمان هم أهل الحرية والمساواة والعدالة ولا يحق لأحد أيا كانت صفته العشائرية أو الدينية أو المذهبية أن يفوت على أبناء العراق تنفس عبق الإنسانية والكرامة الذي حرموا منه طيلة عقود من الدهر. إن المصالحة الأهلية لا تعني بحال من الأحوال السكوت عن العابثين بأمن البلد وأرواح أهله ، وكل قطرة دم تزهق بعمل إرهابي لا تبررها دوافع الجهل والتضليل ولا بد من الوقوف بحزم في وجه دعاة الإرهاب خاصة الدعاوى المستترة خلف شعارات ما أدت بالعرب عموما إلا إلى التخلف والهزيمة والطغيان.
ليس أمام الواقفين على الرصيف محاولين تغيير سكة المستقبل إلا مراجعة النفس ومراقبة قادمات الأيام لأن التاريخ لن يرحم أولئك الذين ما زالوا يستهينون بالدم العراقي ويوهمون الناس بالجنان وحور العين . وهم في الحقيقة لا يبحثون إلا عن مصالح ومكاسب شخصية ولا يودون بحال من الأحوال رد الحقوق المسلوبة لغالبية الشعب في العصر البائد .
لم تعرف أوروبا الحديثة الديمقراطية المقترنة بالحداثة كما تعهدها الآن إلا بعد حربين عالميتين ومعارك أهلية طالت كثيرا من البلدان الأوربية . فالحرية والعدالة والمساواة لها ثمن باهظ تدفعه الشعوب ومن ظن التحول الديمقراطي يتحقق بدون ثمن فهو واهم .
وفي تقديرنا أن الأرواح الطاهرة الذكية والدماء العطرة النبيلة التي تزهق على تربة العراق الطيبة هي الماء الطاهر الذي ينبت شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
الشهادة الحق لا تأتي بالانتحار وقتل النفس التي حرم الله بل تأتي في حماية الوطن وأبنائه ( من مات دون أرضه فهو شهيد ) في حماية الحاضر والمستقبل ، ولم ولن تكن الشهادة في يوم من الأيام من أفعال الشيطان الذي يفرح بقتل الأخ لأخيه والابن لأبيه ، وتدمير ثروة الأجيال القادمة .
إن التمسك بعراق الغد ومستقبل أبناءنا وأحفادنا مهما كان الثمن هو عين الحق وفعل الصواب وسوف يأتي اليوم الذي ينعم فيه أبناء الرافدين بالأماني والاستقرار على أساس من العدالة والمساواة وإن غدا لناظره قريب.
تعد أولى مهام حكومة الجعفري تحقيق الأمن والاستقرار وهي مهمة صعبة وشاقة، لكنها ليست مستحيلة ، خاصة إذا اعتبر كل عراقي نفسه مسئولا عن أمن بلده وأرواح أشقائه وتعاون مع السلطات الأمنية بالوقوف في وجه الإرهاب وقطع الطريق عليه بالعين الساهرة والدعوة إلى السلام والأمان وتوعية الشباب المضلل ونشر ثقافة السلم الأهلي والتسامح والقيم الإنسانية الرفيعة .

ليست هناك تعليقات: