الأحد، أكتوبر 02، 2005

//النظام// و //القضية//

حازم صاغيّة الحياة - 01/10/05//
أنذرت محاولة اغتيال الزميلة مي شدياق، في ما أنذرت، بحدود العناد التي يبلغها التمسك بوضع قائم ما، ومدى الثأرية والانحطاط اللذين يبديهما المتمسكون بوضع كهذا. وهما ثأرية وانحطاط انطلقا، وينطلقان، هائجين مسعورين، عاجزين حتى عن خدمة الأهداف المفترضة التي يتوخّاها المرتكبون. والعناد، أقلّه هنا، هو وقوف في وجه ما لم يعد منه بدّ، وتعويل على تذليل الواقع ومعطياته بالارهاب. وهذا، بالمناسبة، أحد أبرز أهداف الارهاب.
فكيف متى انطوى الوضع، الذي يراد له أن يبقى، أو يراد الحؤول دون تحوله في وجهة واعدة، على هيمنة تمارسها دولة على دولة أخرى؟
ولنقل، بلغة أوضح، ان اخراج الجيش والنفوذ السوريين من لبنان كان، وسوف يكون، مكلفاً ومؤلماً ودموياً. وليس من سابقة معروفة تنمّ عن أن نظاماً مأزوماً، وتوسعياً بطبيعته، ينسحب هكذا، بطيبة خاطر، من البلد الذي يصرّف أزماته فيه. ولا بأس بالتذكير بالآلام والأكلاف الدموية التي استدعاها تمهيد الوضع اللبناني وتجهيزه لوفادة الجيش والنفوذ السوريين: توسيعاً للتناقضات اللبنانية - اللبنانية، واللبنانية - الفلسطينية، وتأسيساً لتناقضات جديدة كلما لزمت حاجة الجيش والنفوذ المذكورين للبقاء والتمكّن.
واذا كان بديهياً التمنّي ان تقلّ عذابات الخروج عن عذابات الدخول، بقي أن نلاحظ العود على بدء الخطة الأولى، عبر ضخّ المخيمات وغير المخيمات بالأسلحة، تماماً كما كان يحصل قبيل اندلاع الحرب. فالحنين هذا الى الماضي يكمّل التوق الى منع المستقبل على ما تشي محاولة الاغتيال الأخيرة بعد الاغتيالات والمحاولات السابقة.
لكن ما ينبغي التحذير منه، خصوصاً ان أجواء التحقيق تغري بالوقوع فيه، هو الانحراف نحو نقاش تقني. ذاك ان الأحداث الجرمية لا تقف خارج نظام بعينه، فيما النظام المذكور ليس منزّهاً عن قضايا ومصالح، كبيرة كانت أم صغيرة.
فهذا الذي خرج من لبنان «نظام» بالمعنى الشامل للكلمة، بحيث يستحيل فصل أيٍ من «القضايا» عنه، بما في ذلك القضايا التي يبرع النظام إياه في استخدامها وتوظيفها، بل في ابتذالها. وبالمعنى هذا، ليس جائزاً ما يفعله وليد جنبلاط وميشال عون، كلٌ بطريقته، إذ يفصلان الأشخاص او الأجهزة عن النظام، والنظام عن القضايا. فالى ذرائعيتها الانتهازية، تقع النظرة هذه في تقنية بوليسية حينما تعامل الأشخاص أو الأجهزة كمسألة مستقلة بذاتها، لكنها تقع في طوباوية مزعومة ومدّعاة حين ترى الى القضايا في معزل عن النظام، نظامها.
وهو منحى «ثقافي» أعرض من الزعيمين اللبنانيين، كما سبق له أن صدر، ويصدر، عن بيئات تتعدى بيئتيهما. فنحن نعرف، مثلاً، تلك الحجة التي ذاعت بعيد الانفصال السوري عن مصر في 1961، ومفادها انه «كائناً ما كان النظام ينبغي الدفاع عن الوحدة». وقد ترددت في لبنان أصوات من هذا القبيل، مرةً في ما خص المقاومة «المقدسة» في معزل عن «تجاوزاتها»، ومرة في ما خص «الأخوّة» مع سورية (والمقصود، الا عند قلة، نظامها وضباطها) في معزل عن «أخطائها». وبالطبع، كان النظام دائماً، لأنه أعرف وأذكى، يعيد ربط القضايا به على نحو لا يترك للخطأ مجالاً. وهو «نهج» كان بلغ أوجه ذات مرة حين أعلن النظام، بعد حرب 1967، ان عدم سقوطه انتصار، على رغم خسارة الأرض!
وتتركنا التجارب المتكررة أمام سؤال لا يُطرح، هو: ما سر التلازم الذي يتكرر على نحو يجمع البلادة الى الرسوخ، بين هذه الأنظمة وتلك القضايا؟ وما لم نطرح السؤال ونحاول التوصل الى إجابات دقيقة وحاسمة، ستبقى سكاكين النظام، الآتية من القضايا، تحزّ على أوردتنا وشراييننا فيما نحن نتهم... «الأجهزة».

السبت، أكتوبر 01، 2005

لبنان في إحدى أخطر المراحل

راغدة درغام     الحياة     - 30/09/05//
سنشهد الشهر المقبل بداية نهاية عهد تحكم الاجهزة الأمنية والاستخباراتية العسكرية بالحياة السياسية في لبنان وفي سورية. قد تتكاثر محاولات الاغتيال وتتنوع كي تدب الذعر في القلوب وتملي الفوضى على البلاد. لكن الأشهر الآتية ستدشن محاكمات لا سابقة لها، وستحرر كامل المنطقة العربية من انماط اللاعقاب واللامحاسبة، وستدق المسمار الأخير في كفن الاغتيالات السياسية والتأديبية والانتقامية وأنواع الاغتيالات كافة. انها فترة الاستحقاقات، بكل ايجابياتها وسلبياتها، وهي تتطلب الوعي والحكمة والمنطق في موازين المخاوف والتوقعات. ففي نهاية المطاف، ومهما آلت اليه المرحلة الانتقالية، فإن محطة الوصول ليست بالضرورة سيئة أبداً سوى للذين تحكموا وحكموا بالإذلال والاغتيال.
الذين تورطوا في اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري يعرفون تماماً مصيرهم وقد يرتأون ضرب استقرار لبنان قبل صدور تقرير «اللجنة المستقلة الدولية للتحقيق في العمل الارهابي» التي يترأسها القاضي الالماني ديتليف ميليس. أولئك الذين ضلعوا في الجريمة يعرفون تماماً ماذا سيحتويه تقرير ميليس المتوقع صدوره في 25 الشهر الجاري. يعرفون اكثر من اي طرف آخر ماذا سيتضمنه التقرير لأنهم مطلعون على الحقائق ولأن التقرير سيكشف الحقيقة عبر الأدلة والاثباتات.
الأرجح انه لا يوجد أحد، الى جانب ميليس وفريقه وخبرائه، يعرف تفاصيل ما سيتضمنه التقرير من استنتاجات سوى أولئك الذين لعبوا دوراً في اقتراف الجريمة أو تنظيمها أو الإيحاء بها أو التغطية عليها أو محاولة محو الأدلة. كثيرون يخشون هذه الفترة من الآن وحتى صدور التقرير. بعضهم يتوقع تصعيداً خطيراً وبعضهم يتخوف من الإحباط إذا استمرت التوقعات بدور دولي يحل مكان الدور المحلي للحكومة اللبنانية في مواجهة أو احتواء التصعيد المنتظر.
ما على اللبنانيين ان يدركوه هو ان العالم مع لبنان، لكنه لن يكون البديل عن اللبنانيين في صون استقراره. هناك استعداد لدى الأسرة الدولية، عبر مجلس الأمن، لمد العون المستمر سواء في استصدار القرارات للمحاكمة على العمل الارهابي المتمثل في اغتيال الحريري أو عبر دعم ميليس ولجنته واستنتاجاته حتى وان كانت قنبلة تهز أنظمة أو تطيحها.
فلا مجال للصفقات إذا جاء تقرير ميليس بإدانات مع أدلة واثباتات. لقد فات الأوان على الصفقات منذ العرض الأخير الذي وصل الى دمشق قبل ثلاثة اشهر والذي شابه حل «لوكربي»، وذلك من خلال ترك المبادرة للقيادة السورية للتقدم بالافراد أو بالاجهزة التي يجوز ان تكون تورطت في اغتيال الحريري، الى المحاكمة العادلة. فات الأوان على الصفقات لأن ديتليف ميليس في صدد الإعداد لكتابة تقريره، ولا تجرؤ أي دولة على إبرام الصفقات في هذه المرحلة المتأخرة من التحقيق. وميليس، كما يُعرف عنه، لا يبرم الصفقات السياسية، ولأنه واع تماماً لإمكان اعتباره عثرة أمام الصفقات السياسية، يمكن الجزم بأنه حفظ وصان الأدلة والاثباتات كي تكون الشاهد على الحقيقة حتى في حال تعرضه هو لمحاولة اغتيال.
البعض في الأوساط الديبلوماسية قلق من احتمال توسيع رقعة سلاح الاغتيال ليشمل الاجانب بهدف حشد الرأي العام في بلادهم أو دفع المؤسسات والعاملين فيها الى مغادرة لبنان هلعاً. لكن هذا لن يحدث، فلقد أُتخذ القرار بعدم السماح لمثل هذا الارهاب ان يكافأ عبر الهرب. بل العكس، فأي تعد من هذا النوع سيصعد ويوسع العقاب.
لذلك، هناك استعداد لدى مجلس الأمن للنظر جدياً في تكليف «اللجنة المستقلة الدولية للتحقيق» بأن تساعد الحكومة اللبنانية في التحقيق في الاغتيالات الاخرى وفي محاولات الاغتيال التي حدثت في لبنان، وذلك بعد محاولة اغتيال الزميلة مي شدياق.
من واجب المؤسسات والنقابات الاعلامية، اللبنانية والعربية والدولية، ان تطالب الأمين العام كوفي انان ورئيس مجلس الأمن الدولي وحكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، بأن يستفاد من خبرة وخبراء «اللجنة المستقلة الدولية» للتحقيق في اغتيال الزميل سمير قصير ومحاولة اغتيال مي شدياق.
ومن الضروري للنقابات والمؤسسات القضائية ان تحشد الأفكار وراء أفضل أنواع المحاكمة وأسرع عقاب للارهابيين الضالعين في كل جرائم الاغتيال. ومن المفيد للبنان ان يستعين بالاسرة الدولية في مثل هذه الأمور وان تتقدم حكومة السنيورة، كخطوة مستقلة عن توقيت تقرير ميليس، بالطلب الرسمي الى مجلس الأمن بوضع كل الاغتيالات تحت مسؤولية «اللجنة المستقلة الدولية» التي تعمل بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية. فمثل هذا الاجراء يوجه رسالة حازمة الى الذين يعتزمون القيام بالمزيد من الاغتيالات، فحواها ان محاكمتهم بصفتهم ارهابيين تأتي بقرار دولي وبمراقبة وتحقيق ومتابعة دولية لكل تحركاتهم.
وكي تكون التوقعات من المساهمة الدولية في حياة لبنان اليوم عملية ومعقولة وواقعية، يجب الإدراك أولاً ان أحداً لا يعد قوات تدخل دولية تتوجه الى لبنان لمساعدته في مرحلة قد تكون احدى أخطر مراحله، اي من الآن وحتى صدور تقرير ميليس.
فالأمن اللبناني في هذه المرحلة مسؤولية لبنانية صرفة. والقرار الأمني يجب على الحكومة اللبنانية اتخاذه بلا خوف وبلا أي تردد على الاطلاق. الجميع يعرف ان حجماً هائلاً من السلاح وصل الى فصائل فلسطينية تستعد لعمليات كبرى بهدف ضرب الاستقرار الأمني الداخلي للبنان. على الحكومة اللبنانية ان تتخذ كل اجراء أمني، وقائي أو هجومي، لمنع نجاح هذه الغايات. لا مجال للتخوف والتردد في حال لم توافق أطراف لبنانية مهمة، «حزب الله» مثلاً، على تولي الحكومة اللبنانية مهمات الحسم الأمني ضد اي فصائل فلسطينية تضمر للبنان الفوضى وتعمل لحساب من يريد له الضرر.
الأمل بأن حكمة «حزب الله» ستجعله يستنتج ان هذا ليس أبداً وقت رفع راية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي عبر الفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان. فهو يدرك ان هذه الفصائل التي تسلمت السلاح الثقيل لا تضع القضية الفلسطينية في رأس أولوياتها، ولا هي في صدد تحرير فلسطين من خلال ضرب استقرار لبنان. وهو يعرف ان أي «حماية» أو «تبرير» لمثل هذا التطور سيُفسر، لبنانياً ودولياً، على انه حماية للذين ارتكبوا جريمة اغتيال رفيق الحريري من المحاسبة والمحاكمة. «حزب الله» أكثر وعياً من ان يرتكب حماقة كهذه، خصوصاً ان جميع قادة المنطقة، بمن فيهم الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد، رفع غطاء الحماية عن اي طرف ارتكب الجريمة، بغض النظر عمن هو، أكان في سورية أو في لبنان. وهو قال علناً في مؤتمر صحافي في الأمم المتحدة ان «اي لجنة تبحث حقاً عن التحقيق بعدالة وتعرّف العناصر المتورطة سنتعاون معها في إطار قدراتنا وضمن الإطار الدولي. وإننا سندين هذه العناصر بغض النظر عمن هي».
«حزب الله» يقع اليوم في الامتحان الأصعب، إذ أنه متهم من جانب البعض بالرغبة في حرب أهلية ومذهبية بأي طريقة كانت كي يتسنى له الاحتفاظ بسلاحه بدلاً من الاضطرار الى تفكيك ميليشياته وتجريدها من السلاح كما يطالب القرار 1559. نوعية تصرفه نحو الفصائل الفلسطينية على نسق الجبهة الشعبية الموالية لدمشق، وكيفية تجاوبه مع ضرورة بسط الحكومة اللبنانية سلطتها الأمنية في كل انحاء لبنان هما ما ستكشفان توجهات «حزب الله» الحقيقية وما سيشهد له التاريخ به. انه على المحك لاختيار ما يريد بوضوح تام الآن. فهو إما مع لبنان أو عليه. هكذا هي المعادلة هذه الايام في فترة الاستحقاقات المقبلة.
فليس أمام الحكومة اللبنانية خيار آخر سوى القيام بخطوات استثنائية للسيطرة على الأمن في البلاد، وإلا لانتصرت الفوضى واللااستقرار. ليس أمامها خيار استدعاء قوات دولية، فحتى لو كان في ذهن الأسرة الدولية ارسال قوات، فإن برنامج الاغتيالات والتفجيرات لن ينتظر ما تتطلبه الموافقة على مثل هذه القوات أو تشكيلها من وقت. فهذا ليس خياراً في هذه المرحلة الصعبة حتى لو توافرت النية بإيفاد حماية دولية في شكل قوات. وهي ليست متوافرة الآن لأن الاسرة الدولية غير مستعدة للقيام بدور تستطيع الحكومة اللبنانية القيام به. لذلك، من الحكمة لجم التوقعات الباهظة والاقرار بالواقعية من الناحية الأمنية، فما سيقدمه العالم هو الدعم للجيش اللبناني ولقوات الأمن اللبنانية، لكنه لن يحل بديلاً عنها لا على الحواجز ولا في مواجهة مع الفصائل الفلسطينية.
لكن سبل كبح طموحات هذه الفصائل عدة، سياسياً ومعنوياً. فالشعب الفلسطيني تحت الاحتلال لا يريد ان تستخدم معاناته من أجل غايات تدميرية. لذلك، فمن المفيد ان يُدعى وزير خارجية فلسطين، ناصر القدوة، لزيارة عاجلة الى لبنان تلي دعم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للقرار 1559 بكل عناصره، بما فيها تجريد الفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان من السلاح، أثناء اجتماعه في القاهرة بمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة المكلف مراقبة تنفيذ القرار 1559، تيري رود لارسن.
وكما ان من المهم حشد الضمير الفلسطيني، الشعبي والحكومي، كذلك من المهم تعبئة الضمير العربي على الصعيدين لمنع الاستنجاد بالعروبة للاحتيال على نتائج تحقيق ميليس وللوقوف في وجه محاولات ضرب استقرار لبنان أكانت عبر عناصر فلسطينية أو بقرارات سورية أو بحسابات لبنانية.
جميع قيادات الدول العربية الفاعلة، من مصر الى الأردن والسعودية، مستعدة لحجب «الغطاء» العربي عمن يكشف التحقيق تورطه في اغتيال الحريري، فرداً كان أو نظاماً أو دولة. حتى جامعة الدول العربية، كما جاء على لسان الأمين العام عمرو موسى في حديث الى «الحياة» ملتزمة المرجعية الدولية ولا ترى مجالاً لمرجعية عربية بديلة تحت أي ظرف كان. فالكل في حال تأهب، يتجنب الحكم المسبق، ينتظر تقرير ميليس، يراقب بقلق ماذا ستأتي به المرحلة الانتقالية على لبنان وماذا ستأتي به مرحلة ما بعد الانتقالية على سورية.
تكاد الخيارات أمام القيادة السياسية في دمشق وبعبدا تنحصر في خيارين: اما انتظار نتائج التحقيق وتقبل سيناريوات المحاكمة والانقلابات في حال اثبت التحقيق ضلوع الدولة بجريمة الاغتيال او استباق التقرير عبر التنحي الطوعي ومغادرة البلاد الى دول مستعدة للاستقبال تجنباً للمحاكمات والانقلابات.
السيناريو الثالث المستبعد هو تبرئة الدولة اللبنانية والدولة السورية. فمنطقياً لا يمكن التحقيق ان يطلب وضع اربعة جنرالات لبنانيين وراء القضبان ما لم تكن لدى ميليس أدلة دامغة ملموسة تقدم ضدهم في المحكمة. ولا يمكن ان يتورط أربعة جنرالات لبنانيين في عملية اغتيال رئيس وزراء بلادهم من دون معرفة رؤسائهم في لبنان ودمشق.
هذا منطقياً. أما القصة الحقيقية لما حدث يوم ارتكبت جريمة اغتيال الحريري، فإن الذي يعرف حذافيرها هم الذين قاموا بها.
ديتليف ميليس سيحكي لنا الحكاية كاملة في تقريره، مهما حاول الجناة قطع الطريق على الحقيقة.

وطني دائما ً على حق؟؟_ أديب طالب

                            الرئيس سليمان فرنجية (1) استخدم هذه الجملة عنواناً لافتتاحية كتبها في جريدة النهار قبل أن ينَّصَب رئيساً للجمهورية اللبنانية.

يبدو أن مدلول "وطني دائماً على حق" شيء بديهي ولا يحتاج مناقشةً أو إثباتاً. ولقد استخدم هتلر بداهةَ هذا المدلول ليؤسس للعنصرية والنازية... ألمانيا فوق الجميع.

واستخدمه ستالين في الحرب العالمية الثانية، عندما أسقط شعار السوفييت وشعار ديكتاتورية البروليتاريا، وقال روسيا فوق الجميع واخترع ميدالية وطنية رمزها بطرس الأكبر. وقاد هتلر وستالين وموسوليني البشرية إلى الجحيم، وقضوا نحبهم قبل شاوشيسكو وبول بوت، أما غيرهم من أعداء الأمم والحرية، ينتظرون وعد ربهم القريب... صدام القومي العربي تلميذ عفلق العربي المسلم واحد منهم على وجه التحديد.

لقد نقل مفكرو القومية العربية ذلك المدلول القومي المغلق وغلَّفوه برومانسية ساذجة عندما وصفوا الأمة العربية بالخلود، نقلوه وهم متكئين على سرير ثقافي حضاري تاريخي لا علاقة له بالقومية، متكئين زوراً وبهتاناً على أنهم خير أمة أُخرِجت للناس، متكئين على الحديث الشريف عندما دار جبريل في الكون فلم يجد أرضاً وأمةً خيراً من العرب ثم خيراً من قريش ثم خيراً من بني هاشم "وأنّا خيارُ من خيارٍ من خيار". أمتنا خالدة والأمم الباقية بائدة، أمتنا واحدة أما أوروبا فأمم فاشلة مجزأة، وعلامة فشلهم اتحادهم الأوروبي الذي استغرق حدوثه خمسون عاماً؟!، أمتنا واحدة ورسالتنا خالدة، ونحن خير الأمم. وِفْقَ أية نظرية؟ وبأية عوامل؟ وبشرعية أيّة قراءة تاريخية؟ وأيّة قراءة جغرافية؟ وبأيّ تحقق فعلي عبر قرن كامل هو القرن العشرين؟

نقلنا الفكر القومي العربي عن الفكر القومي الغربي عشوائياً، وليت كان استنساخاً، لَرَأى أولادنا أو أحفادنا بعض الحق والحقيقة على أرض الواقع، بديلاً عن الفشل البانورامي من المحيط إلى الخليج، بدءاً من هزيمة 1948 إلى فك الارتباط في غزة 2005، مروراً بالسقوط الكلي في حزيران 1967.

كانت قوميتنا تِرداداً لقوميات الغرب. وعلى استحياء ذكر رومانسيوا قوميتنا الديمقراطيةَ في إبداعاتهم الخارقة، ذكروها ذكراً متواضعاً جزئياً متردداً، وفي أول محطة تنكروا لها وطردوها خارج الأرض وخلف التاريخ بعد أن أسلموا العسكر الجهلة زمام الأمور فحكموا عليها وعلى شعوبهم بالإعدام، أو ما هو قريب منه.

ولنسأل مرةً ثانية: وطني دائماً على حق؟. كان أقرب إلى الحقيقة أن يقول الرئيس سليمان فرنجية، وطني دائماً مع الحق! وطني دائماً مع الحقيقة.

في الغرب تطابقت الدولة مع الأمة، فكانت الدولة القومية، وكان أساس التطابق الديمقراطية، حكم الشعب بالشعب وللشعب، بديلاً عن الإقطاع والكنيسة وبديلاً عن حكم الملوك وبلا دستور. عندما نزعنا اللب جوهر الشيء، نزعنا جوهر التطابق بين الدولة والأمة، فأضعنا الدولة والأمة. تعمَّق وتجذَّر تجزؤ الأمة، وساد المستبدون والقتلة في كل ذرة رمل عربية وفي كل نقطة عربية، وفي أضعف نسمة هواء عربية. ساد حكم القبائل والطوائف والأعراق والمذاهب من تطوان المغربية حتى طُنب الصغرى شرقاً ومن القامشلي شمالاً حتى عدن جنوباً... ما أغبى فكر وفعل النائمينَ في عسل القومية العنصرية، المتحدرين من صلبها الحضاري.

وسنبقى كذلك ما دام العربي يقرأ نصف صفحة في السنة، والغربي يقرأ أربعاً وعشرين كتاباً في السنة. وما دمنا نردد مع سليمان فرنجية وطننا دائماً على حق وليس مع الحق ومع الحقيقة.
وإن أنا إلا من غزية إن غوت          غويت وإن ترشد غزية أرشد
كلام قاله أعرابي قبل أكثر من ألف عام وردده سليمان فرنجية سكراناً بالعنصرية والعصبية.

ورغم ما نحن عليه وما نحن فيه، يتشدق خير الدين حسيب ومعن بشور وعبد الباري عطوان ومصطفى البكري أصدقاء صدام، والمربوطون بالحبل السري "الحضاري" بابن لادن والزرقاوي، يتشدقون بتحرير الرئيس "القومي العربي" الأسير من "براثن" الأمريكان..

عندما لا يكون الوطن كله مع الحقيقة، يكون المواطنون كلهم مع الوهم، وللواهمين والجهلة والعنصريين طريق وحيد، ونهاية واحدة، هي الفشل المحيط، وليَقْتَتْ رومانسيو القومية القاموسَ المحيط صفحة بالية تلو صفحة بالية، لأنهم لا يستحقون كسرة الخبز أو قطرة الماء. وليس لأعداء الحرية والحق والحقيقة إلا ما تحت التراب. وسيفعل بهم التاريخ ذلك بالتأكيد، وفي اللحظة الباهرة لحظة هيغل المجنونة، يكتشف العالم كله جريمة العصر، على يد قاضي التحقيق ميليس، ابن الوطن الألماني الذي حولته الحضارة الإنسانية من:  "وطني دائماً على حق" إلى: "وطني دائماً مع الحق".

فهنيئاً لميليس لقبه الجديد... قاضي القرن الواحد والعشرين وهنيئاً للرومانسيين "القوميين" السذج مأواهم الجديد تحت التراب.

الخميس، سبتمبر 29، 2005

ماذا لو كان ميلس على خطأ

تتصارع القوى السياسية على الساحتين اللبنانية والسورية في مواقفها وتوقعاتها لما قد يحمله التقرير المحقق الألماني "ديتلف ميلس" من حقائق وتصورات عن جريمة اغتيال الشهيد الحريري وما قد ينعكس من آثار ضخمة على سوريا البلد وسوريا النظام. ويراهن الكثيرون من بين تلك القوى المتصارعة على أمرين أساسيين، الأول؛ أن يخرج التقرير النهائي للتحقيق بإثبات براءة سوريا وبيان الجناة الحقيقيين.
الثاني؛ قدرة النظام السوري على التعامل مع تلك النتائج في حال جاءت مخيبة للآمال وأثبتت تورط مسئولين سوريين بشكل مباشر أو غير مباشر بالجريمة. وهنا يراهن المؤيدون للنظام السوري على قدرتهم في تجنب الآثار المدمرة واللعب على ورقة الوقت والمساومات وتقديم التنازلات في الوقت المناسب وتجنب الكارثة. وكان ذلك يحصل بالفعل كل مرة تحيط الدوائر بالنظام السوري ويتمكن بطريقة أو بأخرى من الخروج من الأزمة سالماً معافاً وربما أقوى من ذي قبل.
وكلنا يذكر في أواخر التسعينات عندما بدأت القوات التركية بالزحف نحو الحدود الشمالية السورية لوقف دعم سوريا لحزب العمال الكردي الذي كان يقوم بعمليات مسلحة في داخل الحدود التركية وكيف تمكن الرئيس الراحل الأسد الأب من تجاوز الأزمة الخطيرة. وقال يومها في مؤتمر مع الصحافة الأجنبية ((لا نريد حرباً مع أحد)). وبعد ذلك تم تسيلم عبد الله أوجلان الزعيم السياسي والحركي لحزب العمال الكردي لتركيا عن طريق كينيا وحصدت سوريا مكافئات عديدة من جراء هذه الصفقة. وتجاوزت الأزمة مع تركيا إلى جانب تقديمها تنازلات أخرى بعدم بحث موضوع المياه والحدود.
ترى هل يستطيع النظام السوري تجاوز أزمته الحالية كما كان يفعل في السابق، أم أن الظروف الإقليمية والدولية والعربية تغيرت تغيراً كبيراً ولم يعد يملك أوراقاً ذات وزن كبير يستطيع بها تعديل كفة الميزان.
في لقاء أجراه ميشيل كيلو مع قناة العربية قال: لقد فقد النظام السوري الحالي شرعيته لأنه فقد دوره الإقليمي الذي كان يستمد شرعية وجوده منه)).
وهنا نلاحظ أن كل مشاكل النظام السوري كانت تحل بدون النظر على الإطلاق نحو الداخل السوري.
وفي ظل الأجواء الدولية المشجعة للحريات والديمقراطية والدا عمة لحق الشعوب في نبذ الاستبداد والفساد غدا الداخل السوري أكثر أهمية وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
في استفتاء أجرته قناة الجزيرة عن مستوى تأييد الشعب السوري لآراء وخطوات نظامه حيال جريمة اغتيال الحريري. جاءت النتائج على الشكل التالي:
67% من الذين شاركوا في الاستفتاء يؤيدون
33% منهم لا يؤيدون
فإذا التفتنا أن الاستفتاء جرى على قناة يعرف تاريخها وحاضرها بدعم الأنظمة الشمولية والاستبدادية فإننا نعتقد جازمين بأن النسبة المعارضة التي بلغت الثلث تقريباً تعد مؤشراً ذا قيمة بالغة على وجود معارضة شعبية عارمة في مسألة ربما كان مزاج الشارع السوري حيالها تتجاذبه عوامل عدة تحركها العاطفة والعصبية التي ترعرعنا عليها والتي تقول: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.
وإلى جانب الأجواء العامة من الخوف والتخوين والتصريح من قبل الحكومة السورية لمنع المشاركة في البرامج السياسية فإن ثلث المشاركين في الاستفتاء عارضوا النظام القائم علناً.
الداخل السوري لم يعد كسابق عهده، لقد شاهد وسمع ورأى ماذا يعني أن تكون دولة أو نظام في مواجهة تكتل معادٍ يرعاه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ويتغير فيه لون الدب الروسي حسب المصالح والمكاسب، ولما كان كثيرون من الذين يعتقدون باستطاعة النظام على الإفلات من الأزمة بقدرة حاكم الكرملن على تقديم الدعم اللازم والنصح المناسب لتجاوز العاصفة فإننا نحيلهم إلى موقف الدب الروسي من ملف إيران النووي حيث لم يستطع اللعب على أوتار المكاسب والمصالح كما فعل مع صدام وانكفأ في النهاية ولم يعارض التصويت على إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن بل اكتفى بالصمت.
وإذا كان المتفائلون بقدرة النظام على الإفلات من الأزمة بالاختباء تحت عباءة منظومة دول عدم الانحياز فالمؤكد من تلك المظلة إلى جانب قلة فاعليتها فإنها لن تستطيع مد قشة النجاة حتى ولو كانت لها مصالح أو مكاسب في ذلك. فها هي الهند تؤيد المنظومة الدولية في صراعها مع محاولة إيران الحصول على الوقود النووي وتؤيد قرار مجلس الحكماء بإحالة الأزمة إلى مجلس الأمن بالرغم من المساعدة الهائلة التي تقدمها ووعدت بتقديمها إيران للهند بحقل النفط والغاز.
وهنا لا يبقى أمام سادة دمشق إلا المظلة العربية التي بدا وكأنها ستتدخل أخيراً وذلك من خلال القمة الطارئة والسريعة التي جمعت مبارك والأسد الابن في مصر وصورتها الصحافة السورية على أنها إجماع عربي على دعم النظام وسورٌ يحميه من عوائل الزمن، إلا أن الحقيقة غير ذلك. فبالرغم من العناوين الطنانة عن معارضة مصر عزل سورية وعدم اتهامها قبل الانتهاء من التحقيق نجد أن الصحافة المصرية أشارت بشكل واضح إلى النصائح التي قدمها مبارك للأسد بضرورة التعاون في الملف العراقي وتسليم المطلوبين إن وجودوا للتحقيق الدولي، وإبداء أعلى درجات التجاوب مع السيد ميلس.
وبالنظر إلى الدبلوماسية السورية بزعامة السيد الشرع الذي يعتقد بأن المعارضة لنظامه لا تستطيع أن تدير مدرسة. وبالنظر إلى قدرته البالغة في العمل الرفيع نجد أنه خلال خمس سنوات تمكن بطريقة فريدة للغاية من إضعاف وحتى إسقاط حلف دمشق القاهرة الرياض. والقضاء على إعلان دمشق الذي كان سيادته يتزعمه. وكان يعتبر أهم المحاور الساندة للسياسة السورية الخارجية. استطاع أيضاً ببراعة بالغة خسارة عاصمة النور وتحويلها من صديق إلى عدو لدود وبطريقة لا نظير لها تمكن من شحذ السيف البريطاني الذي كان داخل غمده نتيجة لما عرف عن الإنكليز من لباقة وكياسة تخلت عنها لندن أخيراً وكاد سيفها يقترب من الوتين. كما استطاع الشرع العظيم أن يفاقم من أزماته التي لا تنتهي مع الولايات المتحدة التي كانت في يوم من الأيام تعتبر دمشق حجر القبان في أية تسوية إقليمية كل هذه الإنجازات لرأس الدبلوماسية السورية جاءت إلى جانب خسارة المكاسب لتضحيات الجنود السوريين في حرب تحرير الكويت وعلى أرض لبنان.
إذاً ماذا بقي من الأوراق بيد النظام السوري من أجل تعديل كفة الميزان، فإذا استثنينا الداخل الذي يتفشى فيه سرطان الفساد والاستبداد وخنق الحريات واحتكار السياسة والسلطة والثروة وخيرات البلاد والذي يئن تحت وضع اقتصادي محموم تقدم له علاجات سطحية بقوانين ومراسيم لا تطبق وتعدل قبل تطبيقها وينظر فيها إلى مصالح الأثرياء الذين نشئوا وترعرعوا في فيء الفساد والاستبداد، هذا الداخل الذي غدا الرهان عليه غير مضمون وبعض عناصر النظام تعتبره رهينة الخلاص وليس شعباً له حقوق وواجبات، تبقى الورقة الأهم المنظمات الفلسطينية العشرة المعارضة للعملية السياسية (لا تغرنكم هذه العشرة فنصفها لا يتعدى المكتب الخاص به ومجموعة من القياديين ومثلهم من المنتفعين) والمتواجدة في سورية والتي يظن أنها قادرة على إشعال المنطقة من خلال افتعال الأزمات على حدود لبنان مع فلسطين أي أنها ستتحرك في الوقت المناسب لتحرير القدس إذا ما شعرت بأن نظام الحكم في سوريا مهدد. وبالتالي فإنها ستخلق أزمة بالغة الخطورة للمجتمع الدولي وللبنان وإسرائيل وفلسطين والسلطة الفلسطينية الساعية من أجل الحرية والسلام وبالتالي ستكون سوريا هي مفتاح الاستقرار ثانية حيث سيلجأ المجتمع الدولي إليها لإعادة ضبط الوضع ولن يطول الوقت حتى يطلب من السلطة السورية إعادة جيشها إلى لبنان لحفظ الأمن والنظام. ولكن هل ستعود عقارب الساعة إلى الوراء أم أن المجتمع الدولي بلغ حداً من السذاجة والبلاهة بحيث تنطلي عليه هذه الألاعيب.
هل ستتحقق أمنيات الموالين ويكون ميلس على خطأ أم أنه سيتحول من محقق دولي في القضية إلى مدعٍ عام كما ذكر أمين السفير اليوم؟!

السبت، سبتمبر 10، 2005

العراق و أهله أولا ً

بذلت الأنظمة الاستبدادية المجاورة للعراق جهودا ً مضنية لإفشال التجربة الديمقراطية في العراق و سعت لذلك بكل الأساليب الإجرامية و تسترت تحت كل ما وصلت إليه يدها من مقاومة للاحتلال و دعاوى القومية المتعصبة و التمسك بالثوابت مستفيدة من انحسار العقل العربي و تلبسه بشيطان التكفير و الجهاد. و دأبت تلك الأنظمة كعادتها على إعلان رسمي يؤيد العراق و شعبه ويدعم سير العملية السياسية في ذلك ظاهريا ً فقط في المحافل الدولية و الإقليمية. و من جهات أخرى أخذت تأوي الإرهابيين و تقدم لهم الدعم البشري و اللوجستي و المادي و خصصت ميزانيات ضخمة لدعم الإرهاب في العراق و كان التيار الديني هو الرحم النجس الذي يتولد من خلاله الإرهابيون و ينشرون سمومهم في عقول المراهقين سعيا ً لإعداد أجيال من الانتحاريين العاشقين لدماء الأبرياء الحالمين بسبعين أو ما يزيد من الحور العين.
لقد أدركت الأنظمة الاستبدادية أن نجاح التجربة الديمقراطية في العراق سيعجل في إسقاطها و سيعري فسادها و استبدادها و سيفتح الباب مشرعا ً للتغيير في أرضها و من هذا المنطلق اعتبرت القضاء على جنين الحرية و الديمقراطية و الأمل في العراق هدفا ً استراتيجيا ً لا بد من تحقيقه لبقائها و استمرارها, فالحرب على الحرية و الديمقراطية في العراق حرب وجود لا حرب حدود بالنسبة للأنظمة الاستبدادية التي وضعت نصب عينها مقولة أنا وبعدي الطوفان. لقد أدرك الجميع و على رأسهم قسم كبير من بعثيي العراق أن صدام و القيادة السياسية كانت مستعدة لمد أوروبة وأمريكا بدماء العراقيين و تقديم ملايين من أبناء العرب و المسلمين قرابين في مذابح البقاء في السلطة و محراب أبدية النظام و خلود القائد.. و للأسف الشديد نجد العديد من أبناء العرب منتشين برائحة الدم العراقي و متلذذين بصور الأشلاء و الرؤوس المقطعة. و إن كنت أتفهم سبب ذلك لدى الفاسدين و المستفيدين من ثروات العراق المنهوبة و الموجودين في الدول المجاورة من أصحاب الامتيازات في النظم الاستبدادية إلا أنني لا أرى سبا ً منطقيا ً أو عقلانيا ًواحدا ً يدفع أولئك العربان المكتوين بتيار الظلم و الفساد بمؤازرة القتل و دعم الأنظمة المستبدة.
هذا فيما يتعلق بخارج العراق إلا أن القلق الشديد و الخوف الكبير إنما يأتي من داخل العراق ذاته, فلقد بدا واضحا ً أن أطيافا ً عراقية منتسبة إلى الإسلام السياسي تعتبر هدفها الأسمى و غايتها الأولى التمكين لمعتقداتها و بناء دولتها الدينية و لو كان ذلك على حساب البلد و أهله و أنا لا أتحدث هنا عن أولئك الدين يدعون للردة إلى الفكر البائد إنما تحدث عن زعماء و قادة أخذوا على عاتقهم طيلة السنوات الثلاث السابقة تحرير العراق من الاستبداد البائد و بناء دولته الديمقراطية. لقد بدا واضحا ً من خلال مساجلات كتابة الدستور الحرص الشديد من بعض الأحزاب العراقية على اعتبار العراق و شيعته و مستقليه ثانيا ً و احتلت الأولوية في العمل و الفكر لثوابت و قيم أثبت ضررها التجربة العملية. فالدولة الدينية في إيران ما زالت تخرج من فشل إلى فشل و لم يستطع التيار الإصلاحي تحقيق أي مكاسب حقيقية أو أي تقدم طفيف على حساب تيار المتعصبين و المتزمتين الذين استولوا على كل مفاصل الحكم و الدولة. كذلك كان الحال في السودان و أفغانستان.
من المعيب حقا ً لقادة التيار الديني في العراق أن يؤخر مصلحة البلد و شعبه على حساب انتماءاتهم الفكرية . و إذا كانت المسألة في صميمها رضاء الله فإن الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله و الأقربون أولى بالمعروف. فيا سادتي لقد كانت دعوة محمد في أساسها رحمة للعالمين فدعوا شعب العراق من تجارب الدول الدينية التي لم تخلف سوى الخراب و الدمار للبلاد و العباد.
و هنا تجدر بي الإشارة إلى مقالات الأستاذ عزيز الحاج لأنني أتفق معه في التوجهات النهائية لدعوته إلا أنني أختلف معه في اعتبار السياسة تنازلات. ربما تكون السياسة مصالح و تكتيك. إلا أن الخطر الداهم و الجاثم فوق أرض العراق إنما يتهدد حاضره و مستقبله و أقصد بذلك الإرهاب تحت دعاوى المقاومة من جهة و انتهاك حقوق الإنسان تحت دعاوى تطبيق الشريعة من جهة أخرى , فنحن المحبون لرؤية العراق حرا ً ديمقراطيا ً مستقلا ً فدراليا ً موحدا ً, لم يكن يدور في خلدنا أن ترتكب في العراق الجديد جرائم باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
إن مسؤولية الأئمة والقادة و الزعماء الدينيين كبيرة جدا ً أمام الله و أمام الناس و إذا لم تنجح تجربة العراق فالله وحده يعلم حجم المأساة المنتظرة. و أقول ذلك محذرا ً و لست متشائما ً إنما يجدر بكل مؤمن بالله و بالحرية و بالديمقراطية و كل محب للعراق و أهله أن يتنبه للمخاطر الداخلية في البيت العراقي التي تعد أكبر ضررا ً من الإرهاب الذي لا بد أن يندحر و يتلاشى و لو بعد حين.

الخميس، سبتمبر 08، 2005

لست وحدك كل النساء

أمل آن الأوان لأوهامك
أن تنتهي
أما حانت لحظة استيقاظك
ألم تنضج الأيام ثمار عقلك
هل عجزت حرارة الود العالية
عن بث الحلاوة في طباعك
أم استعصت على عنادك..
بل أنت امرأة تجهلين
تجهلين قدر نفسك
و تجهلين قدر الآخرين
تذهبين بعيدا ً في شطحات الظن
و تسافرين طويلا ً
في دروب الشك
تبنين جبالا ً عالية ً
من العزلة
و تهدمين قصورا ً جميلة ً
للحب
تفتقرين أرضا ً خصبة ً
للعشق
و تقطعين غراسا ً رائعة ً
للتواصل
تزرعين أشجارا ً عالية ً
للفرقة
فتثمر عناقيد قاسية
للكره
بل أنت امرأة تظلمين .. من تظلمين
تبترين الأيادي البيضاء
و تصدين الوجوه الباسمة
تغلقين كل طريق خيرة
تزكين النار في كل جمرة
هامدة
تركمين اللهب في أعماق
قلبك
فتقتلين ينابيع الحنان
في أفئدة تريدك
و تحبك
أما آن الأوان
لأوهامك أن تنتهي
أما آن الأوان
للنور المكنون في أعماقك
أن يظهر
و المارد الجبار في فكرك
أن يقهر
أنت امرأة تدركين
أنت امرأة فاتنة ساحرة
ككل واحدة من النساء تعلمين
فنون العشق
و تتقنين أساليب الغرام
لك عندي
دون الرجال
درجة
ما بين يديك
لا يملكونه
فلا تنسجي من الأيام
فراش شوك
و لا تحيكي من اللحظات
درع أسر
أنت قادرة
على صنع المعجزات
و تحويل الأيام
إلى أروع المناسبات
أنت امرأة
فيك كل هؤلاء

السبت، سبتمبر 03، 2005

معذرة إلى أرواح شهداء الجسر

أمْسكَتْ بتلابيبه
رمتْه بشرر من عينيها
صرخَتْ في وجهه
لماذا تأخذ روح ولدي
أيها الملاك القاسي
ألبسته أجمل الثياب
عطرته بالورد و الحنان
ملأت رأسه بالقداسة
بالإجلال بالتقدير بالعبودية و الطاعة
هرول أمامي يسبقني
ظمآن ينثر الفرح و الأمل
يستنشق البهجة و يزفر الحب
دع روحه أرجوك
خذني مكانه
رده لي
سأملأ دجلة دمعا ً
سأخط سواقي دم ٍ
في وديان خدودي
سأشق ثياب روحي
و أنثر عويلا ً يشق عباب السماء
يا راعي الأحياء
يا آخذ ٍ الأموات
رأفة ً بمن أحبك
رحمة ً بمن أذقتهم سوء الحياة
و مرارة الموت
منذ أيام
أفلتنا من يد مقامر
يلعب بنرد الأموات
حمدْت ُ شكرْت ُ سجدْت ُ
و بكيت خشوعا ً
و الآن أبكي ألما ً
أعصر قلبي بيدي
فتنزف أصابعي دما ً خاثرا ً
يا من في الأرض
يا من في السماء
يا من في كل مكان
في قلب مئات الأطفال
سُرِقت أرواحهم
في أفئدة مئات الأمهات
نُهبَت حياتهم
ماذا تريد كي تمد يد العون
كي تقف في وجه
القتلة الكفرة
في وجه عشواء الموت
هل يمكن أن تتآمر الأرض و السماء
و تستقوي على أرواح الأبرياء
على أنفاس الضعفاء
على منبع الحياة
في أرحام الأمهات
لو جمع ما في قلوب شهداء الجسر من خشوع
لو كتب ما في قلوبهم من حب
لو علم ما في نفوسهم من خضوع
لبنوا السدرة على الأرض
ألست الذي يهتز عرشك
لموت مؤمن
يا ويحي آلاف الأرواح
الطاهرة المؤمنة
الصادقة
تسقط كل لحظة كأوراق الخريف
لا تحرك مشاعر
لا تهز كرسيا ً
لا تزلزل عروشا ً
تزروها الرياح كذرات رمل جافة
يكنسها الإعصار
يزيلها من الطرقات
و السلام
أين أنت أيها السلام
أين أنت أيها المهيمن
ملايين الأكف لا تفتأ
مشرعة إليك
ملايين القلوب
لا تنفك مشرئبة نحو عليائك
برحمتك ترفع الدابة قدمها
عن بطن وليدها
رحمة بالبهائم تسقي العصاة
رحمة ً . رأفة ً . مودة ً . عطفا ً
مغفرة ً .. أين أجد هؤلاء

أديب طالب_أيها البعثيون السوريون ... كفى!

حبر على ورق:

ورد في التقرير السياسي للمؤتمر العاشر لحزب البعث تحت بند المعارضة السورية أن هذه استغلت ما يلي:
1- ضعف الحضور الحزبي و الجبهوي
2- مظاهر التقصير و الفساد في الدولة
3- سلبيات الأداء الحكومي
4- عدم و جود تعددية سياسية حقيقية
أما الفقرة التاسعة من التوصيات فهي:
1- تعزيز مبدأ سيادة القانون و تطبيقه على الجميع
2- اعتبار المواطنة هي الأساس في علاقة المواطن بالمجتمع
بعد ثلاث و أربعين عاما ً من حكمهم لسورية, اكتشف البعثيون أن حضورهم الحزبي ضعيف, و أن دولتهم مقصرة و فاسدة و غارقة في السلبيات و أهم من ذلك كله أنها عدوة حقيقية للتعددية السياسية.
لقد نسي البعثيون أن دستورهم و الذي نص على أن حزبهم هو القائد للدولة و المجتمع؛ كان وراء تلك النواقص التي اعترفوا بها في تقريرهم السياسي و التي تحولت إلى مصائب و نوائب نَعُمَ بنتائجها الباهرة الشعب السوري المسكين عبر جيلين.
بعد ثلاث و أربعين عاما ً تأكدت لهم ضرورة سيادة القانون و تطبيقه على الجميع و أن المواطنة هي الأساس في علاقة المواطن بالمجتمع و الدولة... لقد أعاد البعثيون السوريون اكتشاف الحرية و الديمقراطية بعد أربعمئة عام من اكتشافها من قبل الأجنبي !!! بعد كم سنة سيهنأ السوريون باكتشاف بعثييهم للحرية؟ ......... الله بهذا أعلم و ما أخافه و خوفي حق أن المسألة كلها حبر على ورق.
المواطنون السوريون اللابعثيون:
في مقابلة للبعثي الحاج علي و العضو في لجنة تطوير البعث قال المذيع " إن عدد البعثيين السوريين مليونان", قاطعه الحاج علي: "إنهم مع عائلاتهم عشرة ملايين" و أضيف من عندي أهم مع أصدقائهم خمسة عشر مليونا ً ............... أين ذهب الشعب السوري؟ هل تبخرت أمة بكاملها؟
بعد سقوط الدولة السوفييتية, أجريت انتخابات شرعية و نزيهة حصل فيها الحزب الشيوعي على 13% فقط من الأصوات. هذا هو الحجم الحقيقي لأعظم حزب شمولي في تاريخ البشرية 13% فقط من شعبه. و لا ننسى أن ما قدمه هذا الحزب للمجتمع السوفييتي من خدمات و بنىً اقتصادية ٍ و ثقافية و أمن غذائي و سكني يفوق الوصف و مع هذا فما زاد عن 13% و السبب الرئيسي أنه حرم الشعب الروسي و عشرات الشعوب المجاورة ثلاث حريات: حرية التعبير, و حرية التنظيم, و حرية العقيدة.
إذا عدنا للمواطنين السوريين البعثيين فمؤكد أنهم لن يحصلوا في ظل خيمة الحرية على أكثر من 6% إذا ً المواطنون اللابعثيون السوريون 94% !! و السؤال المهم لماذا رفضتم دعوة المعارضة السورية إلى مؤتمر إنقاذ وطني تتشرفون بالتحضير له لدفع الخطر الداهم بالوطن؟ أين المصداقية في دعوتكم للتعددية السياسية؟ أين المصداقية في دعوتكم لسيادة القانون؟ أين المصداقية في اكتشافكم العبقري أن المواطنة هي الأساس في علاقة المواطن بالمجتمع و الدولة و ليس الأساس الانتماء البعثي؟
المعارضة السورية محدودة التأثير هذا صحيح و خطابها تقليدي هذا صحيح أما أنتم فلقد شملتم المجتمع السوري بتأثيركم لقد حكمتم الإنسان السوري من لحظة الولادة حتى لحظة الوفاة بطلائعكم و شبيبتكم... و بجملة واحدة بقبضتكم الأمنية ليس بالتعددية و ليس بالحرية و ليس بالمواطنة الحقة و إنما بالحديد و النار بالقمع و الإرهاب بالخوف, بإشاعة الفساد و الإفساد, بإنتاج السلبيات و سوء الإدارة. حكمتم الشعب السوري رغم إرادته و حذاؤكم على رقبته ثلاث و أربعون عاما ً و ما تزالون فكيف تريدون للمعارضة السورية أن تكون أكثو من محدودة, سجونكم تشهد عليكم و مساجيننا تشهد لنا باسم الحرية و مع هذا نقول لكم نحن السوريون اللابعثيون: وافقوا على مؤتمر و طني لا يستثني أحدا ً و تشرفوا في المشاركة بالتحضير له... ساعة الخطر قادمة فأين تذهبون؟, تقولون لا ! , و تستقوون !.......... لا أعرف بماذا دُلّونِي على من يعرف.
المعارضة السورية بلا برنامج:
تقولون أن لا برنامج واضح لدى المعارضة السورية أقول لكم باسم المواطنين السوريين اللابعثيين باسم أكثرية الشعب السوري برنامجنا ثلاث نقاط:
1- ألغوا قانون الطوارئ
2- أفرجوا عن المعتقلين السياسيين
3- اعقدوا مؤتمرا ً وطنيا ً لكل الشعب على قدم المساواة و على أرض الوطن لا على أرض باريس
هل تريدون وضوحا ً أكثر من هذا؟ هل تريدون وحدة وطنية أكثر من هذه؟ بقي لي طلب و حيد أرجوا أن تستجيبوا له. قلتم أن المعارضة السورية ظلت بعيدة عن التعبير عن إشكالية المجتمع السوري بكافة أشكاله. لم أفهم شيئا ً من هذا الكلام فسروا و أفصحوا أصلحنا الله و إياكم و طورنا و حدثكم و أفهمنا و أفهمكم إشكالية المجتمع السوري. قد تقولون و من أعطاك الحق لتتحدث باسم الشعب السوري؟ أترك جان ستيوارت ميل صاحب – رسالة في الحرية – يرد عليكم يقول " لو كانت الإنسانية كلها مجمعة على رأي ما عدا فرد واحد فلا يحق لها أن تسكت ذلك الفرد المخالف لرأيها كما لا يحق لذلك الفرد لو استطاع أن يسكت الإنسانية المعارضة لرأيه " ** أنا واحد من 94% من الشعب السوري من المواطنين السوريين اللابعثيين و إن لم تصدقوا هذا الرقم أجروا انتخابات حرة ديمقراطية نزيهة فسترون أن الرقم حقٌ و حقٌ كالشمس, و إن لم يكن حقا ً فابقوا على دستوركم و شموليتكم و قوتكم و فوقها شرعية صناديق الاقتراع.
الاستقواء بالأجنبي:
تحدثتم عن الاستقواء بالأجنبي حسنا ً هل نسيتم أنكم تستقوون بالظروف الدولية منذ ثلاث و أربعين عاما ً؟ ألم تقل رايس أنها دعمت الاستقرار- الدكتاتوري – في منطقتنا مدة ستين عاما ً؟. الاستقواء بعوامل القوة و الرهبة و الاستئثار بالسلطة و الثروة مشروعة أو لا مشروعة و ترك المواطنين رهائن لقمة العيش في ظل كرامة مهدورة و مَحْق ٍ سياسي و مسح لصورة الوطن من المخيلة و شبكية العين ليس أقل خطرا ً إن لم يكن أكثر خطرا ً من الاستقواء بالأجنبي. إنه المدخل الطبيعي للأجنبي و المبرر السهل لمشروعيته الدولية. و لنعد لمخيالنا الشعبي و مفرداته... الهم اضرب الظالمين بالظالمين و اجعلنا من الغالبين و نحن قاعدين... إن صدام الخارج من جحر العنكبوت و المنتظر لحكم الإعدام أكبر دليل على صحة ما نقول.
شيراك و الضوء البرتقالي:
إن سنابل نبع الخير و رمز الخبز تميل مع الرياح العاتية أما و الوتد القاسي فيا ويله إن اقتلعته الريح و عندها لن يصلح حتى لربط البهائم و الاعتداد بقسوة الوتد ليس أكثر من وهم في علم السياسية و في فن ما هو ممكن و على ضوء ميزان القوى الراهن.
خوفي الأكبر أن تُطْبِق الآية الكريمة علينا جميعا ً بعثيين و لابعثيين (( فإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ً)) الإسراء آية:16. إن الفسوق هنا لا يعني الفاحشة و الزنى و انتهاك المحارم إنه الفساد و الظلم و انتفاء العدل و من يريد التأكد فليرجع إلى لسان العرب.
قد يقال أنه التشاؤم المطلق و كيف لا يكون و قد تحول الوطن إلى وطن للرعب و غرق شعبنا في الخوف حتى النهاية.
لقد أشعل شيراك أخيرا ً الضوء البرتقالي و الويل كل الويل عندما يضاء الأحمر سيقول الشامتون و المشفقون: لقد تأخرتم كثيرا ً و لقد غادر القطار المحطة (It’s too late?!)

**من كتاب مفهوم الحرية لعبد الله العروي صادر عام 1981

السبت، أغسطس 27، 2005

أرض بين الشريان و الوريد

بستان أخضر فوق غيمة بيضاء
تسيجه المحبة و ألوان الفرح
تلهو فيه براعم الربيع
تقطف أزهارا ً
تغرس أجيالا ً
ياسمينات تستند إلى جلنار
تشكل حلقات ورد
تداعب تراب الأرض
تهمس في شقوقها
نحن الأمل و المطر
لا نخشى الرعب
نحارب الموت
نكتب نبني
نصل السماء بالأرض
فرحون واثقون
مرة ً نبطئ و نسرع مرة
ندق بقوة ٍ و مرة ً بهون
كما هي الحياة
نختار منها ما نريد
بسمات تحملها ضحكات
تحاكي زغاريد العصافير
تنصت لها فراشات ملونة
تعكر صفوها
خفافيش ظلام
تقتات على
دماء و آلام
تريد المستحيل
تسترد زمن الطغيان
***
أشجار يافعة تُظل غراسا ً فتية
تكلؤها تعلمها الغناء
تسقيها عشق التراب
تأخذ بيدها نحو الأمام
تُنشئها بنظام و تنشّقها الحرية
تصبح على علم خفاق
تناجيه بنشيد خالد
يجيب واثقا ً
ما أجملكم كحبات قمح رائعة
ترفعكم نحو الشمس
أكف قوية
تنثركم بعد حين
في أجفان أمكم
راجية أن تقبل الهدية
أرواح طاهرة
تصطادها أكفان قذرة
تعود من جديد
أجساد صلبة
تسترشد بدم الشهيد
قادرة على بناء
الوطن العتيد
***
ياسمينات تستند إلى جلنار
تزين الأرض و الفضاء
تتمايل بأنغام سرمدية
تمسي على راية ملونة
خضراء كما الأرض
بيضاء كما القلوب
سوداء كما العيون
حمراء كما الدم
تتعلم الأدوار
فتصبح الخضرة كقلوب البنات
و السواد كعزيمة الأبطال
و الأبيض كما النوايا
تنبئ بالخير
كما الصبح المأمول
بعد ليل في بستان المحبة
ينتظر الفجر
و يحلم بالمطر
يغسل دماء الأبطال

الثلاثاء، يوليو 26، 2005

صورة تتحدى الحزن/5

قصائد ديوان ( إلى ذكرى و لدي القتيل)

تستوقفني الصورة
أحجب نفسي
يهرب فكري
أشيح بوجهي
أختلي
أعتلي
أغرّب
أشرّق
الصورة تحاصرني
تسور نوافذ عقلي
تعسكر في قاع اللاوعي
هل يستطيع الحزن
أن يصنع هيكلا ً من لحم و دم
أن يرسم ظلا ً تحت الشمس
هل تبقى النفس تحت الحصار
و فوق الأمل
***

المكان فارغ
إلا من فكرة
الأرض ملساء مصقولة
لا تبقي على ظهرها
أحدا ً
الظل أضرب عن
بيان الوقت
الماء خاصم الخضرة
و النار تحالفت
مع البرد
الحرائق
أشد في الليل
و الفجر
ينذر بكوارث لا تنتهي
تتحالف الصورة
لتبني بيتا ً هشا ً
يقطنه عنكبوت
بائس
تتوالى الانهدامات
***

و تتعمق الغور
و في غفلة من آلة الحزن
تنبت بسمة
تقف عند حدود الشفتين
صامدة
تبرق خلف الزجاج
تحدق في عين الحزن
تتحدى أشعته الزرقاء
تصد سهام النار
يشمئز الحزن
يغضب
ينفجر
تنطلق البسمة
ترسم تعابير وجه
رأى حبا ً
أبصر نورا ً
سار نحو جذوة
توقد دفئا ً
يبعد الموت عن جسم بارد
الصورة تفك الحصار
تتكلل بالورد الأسود
رغم البسمة يفوح منها
الكافور
كلاهما سيبقى طويلا ً
كلاهما يمسك بالآخر







الأحد، يوليو 17، 2005

ثقافة العنف و ضرب النساء


تسيطر على عقولنا نحن العرب مجموعة من المسلمات و البديهيات تعد أساسا ً و قاعدة لمواقفنا وآرائنا تجاه الآخرين و تجاه قضايانا المزمنة و المعاصرة و من ذلك قناعتنا الراسخة بأننا أفضل الأمم و خير أمة حاضرا ً و ماضيا ً و مستقبلا ً و للحفاظ على هذا الوهم نقوم كأفراد و مؤسسات و حتى حكومات بتجميل الصورة و إخفاء العيوب و عدم التحدث عن أي من مظاهر التخلف و الرجعية و الفقر و المرض الذي تغص به مجتمعاتنا و أوطاننا و تغدو المسألة أكثر تعقيدا ً و أشد حرصا ً عندما تكون القصة متعلقة بالمرأة و أحوالها و أوضاعها و حقيقة مكانتها و دورها في المجتمع فنحن نعتقد جازمين بأننا أكثر شعوب الأرض تعظيما ً للمرأة و تقديرا ً لها و نصر على ذلك و نأتي بالأدلة و البراهين لتأكيد ذلك و في الوقت نفسه نغمض أعيننا عن مظاهر شديدة الوضوح لا تترك جدلا ً حول حقيقة الوضع المزري الذي تعيشه المرأة في أوطاننا و بلداننا فنحن نريد حجب عين الشمس بالمنخل. ما زالت الغالبية العظمى من السعوديين تعتبر قيادة المرأة للسيارة أمرا ً محرما ً و باب الفتنة و سببا ً لاختلاف المسلمين. و ما زالت المرأة اليمنية غير قادرة على كشف وجها في الجامعات و الدوائر الحكومية فضلا ً عن شوارع العاصمة صنعاء. إلى الآن ما زال نصف النواب في مجلس الأمة الكويتي يعارضون عمل المرأة في السياسة و يرفضون إعطاءها حقوقها السياسية رغم إقرار القوانين بذلك و لعله الهجوم الشرس الذي واجهته الوزيرة الأولى في الكويت دليلا ً على ذلك.

تستفحل المشكلة و تعمق و تستعصي على الحل كلما أوغل أصحابها في تجاهلها و عدم الإقرار بوجودها و السعي الدائم لإعطاء المبررات للعوارض و الظواهر الناجمة عن وجودها و تجزرها. هذه الحقيقة تنطبق تماما ً على ظاهرة العنف في مجتمعنا عموما ً و القسم المتعلق بالمرأة تحديدا ً.

لذلك كان لا بد من الاعتراف بهذه الظاهرة و الإحساس بها كمشكلة متأصلة حتى نبدأ السير في طريق الحل.

إن إشاعة فكرة الحوار و التحاور و قبول الآخر من خلال تأصيل ثقافة الديمقراطية في المجتمع عموما ً و في المنظمات و التجمعات و النقابات و المدارس و أفراد الأسرة الواحدة بعد خطوة ضرورية للبدء في معالجة مسألة العنف عموما ً و ضد الساء خصوصا ً ذلك أن الانطلاق من القنا عات الجامدة و التصورات المحددة بناء على أفكار أيديولوجية و أصولية متحجرة لا يترك مجالا ً لقبول الآخرين أو الإقرار بالخطأ أو بوجود المشكلة.

قبل سقوط الديكتاتور الروماني الشهير ( تشاوسيسكو) كانت المستشفيات تغص بالأطفال المصابين بالإيدز و كانت سياسة الحكومة آنذاك التعتيم و التضليل و عدم الاعتراف بوجود المشكلة مما أدى إلى تضاعف الوباء و تفشيه بشكل مرعب و لم يتم البدء بالإعلان عن الأرقام الحقيقية إلا بعد إقامة دولة ديمقراطية أخذت على عاتقها معالجة الأزمة, في مصر تؤكد و سائل الإعلام الرسمية على عظمة أوضاع الشعب المصري و رخاء عيشه و رفاهية حياته و للتأكيد على ذلك أنشأت الأجهزة حركة سمتها (حركة استمرار من أجل بقاء الازدهار), ازدهار في مجتمع ارتفعت نسبة البطالة فيه إلى28%.

و في وطننا الحبيب أقر أخيرا ً نائب رئيس مجلس الوزراء بوجود ما يعادل 29.4% من الشعب السوري تحت حد الفقر.

هذه الأمثلة تدل ببساطة على ضرورة الانعتاق من ثقافة سائدة و مسيطرة على مجتمعنا لا تقر بالشفافية و لا تعترف بالإنسان كقيمة فوق الأيديولوجيات و الأصول. إلى جانب ذلك تقف الرغبة الملحة في ثقافتنا إلى النصر الكامل و التفوق المطلق حافزا ً للعنف و رفض الآخر إلا بشرط خضوعه أو ولائه الكامل (إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابرة ساجدين)
(لنا الصدر دون العالمين أو القبر)

فإما الصدارة و الرياسة و الزعامة أو الحرب حتى و لو أفضت إلى القبر فلا مكان في ثقافتنا للحلول الوسط و التوافق أو التقارب (لا توجد منطقة وسطا ما بين الجنة و النار) _ مع الاعتذار لنزار_

و هذه الطريقة الفكرية و الأسلوب الثقافي ينعكس على تعاملنا داخل مجتمعاتنا و خارجها. فعندما نفاوض الآخر أو نحاوره إنما بهدف إقناعه بصوابية مواقفنا و عظمة ذاتنا فإذا لم يصل معنا إلى هذا الحل فلا بد من الحرب و الاقتتال (أمرت أن أقاتل الناس حتى يؤمنوا و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة)

و كانت الجيوش الإسلامية تطرح على البلاد التي تريد غزوها ثلاثة حلول:
الإسلام - الجزية - أو الحرب. أذا ً لا مجال لقبول الآخر كما هو حيث أن قبوله مشروط بخضوعه (حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون)

الثقافة المؤسسة للعنف ضد المرأة:

يتحكم فكر الإنسان و قناعاته الراسخة بأسلوبه في التعامل مع الآخرين و في طريقة معالجته للمشاكل و الأزمات و ما ينطبق على المثقف و المفكر ينطبق على الأمي و الجاهل الذي تراكم في لا وعيه مجموعة من القيم و المبادئ التي يتساوى فيها مع العديد من رواد الجامعات و السبب في ذلك أن ربط المواقف من الآخرين و الأزمات بمجموعة من القواعد المقدسة التي لا تناقش و لا يأتيها الباطل لا من بين يديها و لا من خلفها يجعلنا نعتقد أننا على صواب دائما ً و بذلك يتعذر الإصلاح و يغدو حل المشاكل أمرا ً في غاية التعقيد.

تبدأ المشكلة باعتبار المرأة كائنا ً يخضع للوصاية و الرعاية بشكل مستمر فعندما تعتبر المرأة شخصا ً تتحكم به عواطفه و لا يمتلك القدر الكافي للاستفادة من عقله في المواقف العصيبة (كالقضاء مثلا ً) وجب وضعها في درجة أدنى و في حيز يقاد فيه من قبل الجنس الآخر و في هذه الخلفية ينشأ الطفل أو الشاب في بلادنا على الاعتقاد بعلو شأنه تجاه الأنثى حتى و لو كانت أكثر إنتاجا ً و ثقافة ً و حكمة ً فهو يربى باعتباره رجلا ً له الحق في إصدار الأحكام و تنفيذ العقوبة. و في الجو نفسه تنشأ الفتاة لتكون خاضعة راضية بما يمارس بحقها لأن المنطق الرجولي الذي تربت عليه يستند إلى تاريخ مقدس و نصوص قاطعة.

و تزداد مشكلة العنف ضد المرأة تعقيدا ً عندما تعد المرأة حرمة أي كائنا ً ينبغي حجبه و إبعاده عن المجتمع إلا لضرورة يقوي ذلك ويثبته الموقف الحساس جدا ً من مسألة الشرف و العرض و الحرام و الحلال الذي يوجد أرضية خصبة للرد على أي تجاوز لحدود تلك الحرمة حتى و لو كان الأمر مجرد شك فالتربية و النصوص تبيح الدفاع مباشرة بأشد العقوبات و لو لمجرد الشك (يجوز لصاحب البيت إدخال السهم في عين رجل رآه ينظر إلى حرمته عمدا ً) و بالمقابل يكون الموقف غاية في العنف عندما يكون الشك متعلقا ً بالمرأة ذاتها أو بمواقفها أو رغبتها في الانفراد في تقرير حاضرها و مستقبلها. و ما ينطبق على الفتاة في بيت أهلها يتحول إلى واجب مرتبط بالمآل و الجنة و النار عندما تتحول إلى زوجة يفرض عليها ضوابط و قواعد قاطعة يعد أي تجاوز لها اعتداءات على حرمات الله و خروجا ً على أصول الشريعة. و هنا يأتي النص بضرورة ضرب المرأة إذا عصت زوجها و لا يعد الضرب هنا عنيفا ً بل تأديبا ً و إعادة إلى جادة الصواب.

في استفتاء أجرته قناة اقرأ الفضائية على مجموعة من النساء أجابت الغالبية العظمى منها بحق الرجل بتأديب زوجته إذا عصته أو تأخرت في إطاعة أوامره و هنا يصبح الحديث عن العنف ضد المرأة ً تعديا ً على المقدسات ً و تجاوزا ً للخطوط الحمراء. و هذا أمر يدعو إلى مراجعة شاملة لثقافتنا الدينية و محاولة إدخال الحوار و النقاش إلى تلك الثقافة.

إن العمل لوقف العنف ضد النساء يتطلب مباشرة العمل على مشروع يتبنى المسألة و يبدأ التوعية بها انطلاقا ً من الاعتراف بوجودها و انتشارها و مضارها بشفافية و جرأة. و من ثمة إعادة الاعتبار للمرأة و مكانتها في المخيل الثقافي الشعبي الذي غالباً ما يساهم في دونيتها و تراجع موقعها. إن اعتقاد الرجل بحقه في تأديب المرأة يجعله يبادر إلى ضربها كلما رأى ضرورة لذلك أما عندما يعتبرها كائنا ً مساويا ً له يتمتع بنفس الحقوق و الواجبات و أنه لن يجد التغطية الشرعية أو الاجتماعية لممارسته للضرب سيبدأ بالكف عن اللجوء إلى العنف كحل وسيفكر مليا ً بالعواقب قبل نشر غضبه و بالمقابل فإن توعية النساء بحقوقهن و قناعتهن بحرمة ممارسة العنف ضدهن سيدفعهن للدفاع عن أنفسهم و الاستعانة بالآخرين لحل المشاكل و عدم الرضوخ و الرضا بالذل لمجرد كونهن نساء.

و الجدير ذكره ارتباط العنف بضعف التعليم لدى الجنسين فالجاهل عادة لا يتراجع عن رأيه أو موقفه كونه لا يملك الحجة للدفاع عن أفكاره أو قناعاته يلجأ إلى القوة و العنف كحل مباشر لقضايا الخلاف.

إن التأسيس لتعظيم قيمة الإنسان مقابل المعتقدات و القيم الأخرى يساهم بشكل فعال في الحد من العنف فإذا توصلنا إلى اعتبار الإنسان مجردا ً من كل انتماء عقائدي أو عرقي أو جنسي كائنا ً يستحق العيش بكرامة و لا يجوز التعرض له لمجرد الاختلاف و الشبهة يتيح الفرصة لمزيد من التعامل السلمي و البعد عن الخلافات بالقوة.

ختاما ً:

إن إشاعة ثقافة حقوق الإنسان و تدريس الميثاق العالمي الخاص بهذا الشأن في مدارسنا و قيمنا التربوية و في حوارنا و نقا شاتنا الخاصة أمرا ً هاما ً و بالغ التأثير في الالتفاف حول قيم إنسانية و مبادئ يشترك بها العالم أجمع بما يجعلنا جزء منسجما ً مع العالم حولنا يقر بالمساواة بين الجنسين و يعطيهما ذات الحقوق و الواجبات.

الجمعة، يوليو 08، 2005

نداء إلى كل وعاظ الحضارة /4

قصائد ديوان ( إلى ذكرى ولدي القتيل )


قطرة من ماء الوجه
و كأس مملوء بندى العين
وجوه مسطحة
بلهاء
و وجوه أفقدها الحزن رغبة الحياة
أضواء و ضوضاء
قهوة و ماء
ساعات و ينفضّ الجمع
بين المئات
و آلاف الكلمات
لا تسمع شيئاً و لا ترى أحداً
قليل من الحب
من العطف
من الصدق
أقدم حالة حب عرفتها
مات
***
أيام و يولد
سأحبه كثيراً
سأبني عليه آمالاً
سأسكنه أحلاماً
سأمنحه كل ما لدي
أريد وأريد و أريد
تأبى الأيام .. تأبى الأقدار
يأبى هو
عقدان و نصف
من ابتسامات و رقصات
من شموس ملبدة بالغيوم
من أقمار محجوبة بالدخان
في دائرة من الهم و الحب
عبر ليال من السهر و الأمل
مضت
لم يبق سوى ذكرى
ذكرى الفراق الأخير
ذكرى الألم المرير
يبتلع كل ما كان في الماضي الجميل
***
مضى بألم .. و انتهى بفاجعة
صفعات مريرة
لم تطفئ نبع الحب
في قلبه
لم تغرق جذوة الخير في أعماقه
لكنها أبقته في وهم الفقد
محشوراً
كل ما لديه قليل
و حب العالم لا يكفي
و العطاء الكبير
في ميزان النقص و حاجة النفس
قليل
قبضة القدر أحكمت
من حوله أخطاء الآخرين
عنكبوت بنت
فطار عصيا كالذي فقد السراب
و تاهت الأمكنة و الأزمنة
جذبته طاقة الصدق و الحنان
لكن إرادة الشر غلبت
و جبروت الموت حق
هم أرادوا له الموت
و هم ذللوا سبيله
***
أدعو عطّار السماء
و طبيب اليوم
و كل وعاظ الحضارة
اعملوا معاً
لتجميل الصورة
لتبرير الواقعة
خذوا ما تريدون و اطلبوا ما تشاءون
هل أنتم على رده قادرون
على تخفيف أحزاني
على تضميد آلامي
يقيناً أين يكون
أبدوا قوياً على ما ترون
و ابتسامة دامعة تشاهدون
الروح غادرت
و المآتم انتهت
و لا عزاء للمحب

الجمعة، يوليو 01، 2005

خلوة بين التراب و الروح /3

قصائد ديوان ( إلى ذكرى ولدي القتيل )


خطوات تائهة تقودني
إلى حيث واريت روحي
في ثلم معتم
يغشاه الصمت و السكون
أجلس بجوار الحجر
أتأمل الاسم المكتوب
أتحقق من جسدي المفقود
أسكب ماءً
فوق الرأس
أغسل من فوق الركام القدمين
أقول في نفسي
علها تبلل شفتيه
علها تؤنس وحدته
علها ترد الروح كما تفعل مع البذور
لكن لا شيء يحدث
أعود فأسقيها بدموع العين
علها تسرب شيئاً من روحي
فتسلي روحه الوحيدة
تسقط قطرات فوق الرخام
تتجمع تشكل ماءً يختلط بماء
أيها يغلب ماء عيني أم ماء الشرب
أقول لنفسي
بالغي في سكبهما
علها تخترق التراب
علها تصل إلى جوفه الظمآن
***
أيتها الماء
ألست الحياة
لماذا تقفين عاجزة حيال روحه
لماذا لا تحيينه كما تفعلين مع الآخرين
أسألك و لا أعتب عليك
أطلب منك المستحيل
أنت أنسي الوحيد
أنت الوحيدة لا تملين
و لا تستائين رغم إلحاحي الشديد
أنا الغريق يسحب الغريق
بحبل من ماء
***
أجلس قبل الشمس
و تحت الشمس
و بعد المغيب
أقرأ أتلو أدعو
ماذا أستطيع أن أفعل
هل وجودي عند رأسه
عند أسفل قدميه
فوق التراب الذي اختلط
بأهداب عينيه
هل يخفف عنه
هل يدرك ما أفعله
لو كانت لدي فرصة
***
خطوات حالمة تقودني
إلى حيث تنتهي الأفراح
أعود من جديد
في يدي الماء
و في عيني الدمع
و في قلبي الأسى
أسكب قلبي أسكب روحي أسكب عمري
حتى أصل إليه
حتى أكون معه
ربما أنعش بسمةً
قديمة عرفتها على شفاهه
عساني أوقظ رقاده الحزين
يؤلمني أنه ما كره أحداً
يؤلمني أنه أحب كل الناس
لم يؤذي يوماً مخلوق
ما رد يوماً طلباً
ما تأخر مرة
كل من عرفه أحبه
كل من صافحه تعلق به
كل الدنيا أرادته
إلا كلاب النهب
الذين يقتاتون على لحوم أبنائنا
و يغريهم مص دماء
أكبادنا
***
أزوره في النهار
و يزورني في الليل
مرات كثيرة يساعدني يخفف عني يواسيني
يحدثني
أنا بخير يا أبي
لا تجزع علي
لا تحزن
انظر إلى الثياب الجميلة
انظر إلى وجهي الجميل
انظر إلى روحي المطمئنة
إلى ربطة عنقي
إلى بزتي السوداء
أستيقظ من حلمي
و أعود إليه
كلما ازداد وجع قلبي
يأتي
مرة زارني بثياب بيضاء
و وجه باسم
صنعت و إياه طعاماً
قدمناه لأناس حولنا
لكنه تركني
و ذهب معهم
توارى عن نظري و هو يلتفت نحوي
باسماً واثقاً
أعود إليه
أحمل ماءً
أسكب دمعاً
أرجوك لا تتأخر علي
لا أعرف من قالها
لا أعرف من طلبها

الأربعاء، يونيو 29، 2005

من المسؤول يا وطني /2

قصائد ديوان (إلى ذكرى ولدي القتيل)



في ظلمات ليل الوحدة
يتحد الحزن مع الألم
ويتمص الأسى عصارة الروح
غيوم داكنة تلبد سماء الفجر
تسيل مداداً
يملأ تلافيف العقل
يكتب سؤالاً يخشى الإجابة
من المسؤول
...
أمثالك كثيرون يا ولدي
بسلاح التعصب
وسيف الجهل
وخنجر الإهمال
كل يوم يسقطون
وكل غد سيسقطون
والقانون لا يدري
والنظام غير مسؤول
أرواح بين مخلفات الأمن والسلامة
تسيل نحو حاويات
يهلكها الزمان
وتحولها الديدان
...
ميلاد مجيد
وطفل سعيد
عنت وشقاء لذيذ
وآمال كتبتها ملايين الكلمات
عود أخضر مزهر
ينتظر طرح الفرح
في مفصل العمر
ولحظة انتصاب العود الأخضر
تدعوك الأرض
تزحف بحب وثقل
يلقاك الجلاد
والنهاب
وجملة عقد
جذبتها نفس
كونت كائناً مشوهاً
يأمر فتطيع
ويطلب فتدفع
أنت الحقير الذليل
أنت ابن مدينة مكروهة
أنت ابن حي محسود
أنت ابن أب ابن جد
ابن حقد قديم
لم تطفئه مئات السنين
يسعدنا أن نجردك الروح
يسعدنا أن تسيل كرامتك
في مجاري الانتقام
تمرض تنهك تهزل
أساة القلوب
أسود العقول
يشكون
إلى ما قبل موتك
يتلذذون
وبعد الوفاة
لا يبالون
وعذابات على الأهل
يصبون
...
وطني... يا وطني
ماذا أبقيت من لحمي
لماذا جففت دمي
ماذا أبقيت من حبي
إلام حولت روحي
وطني يا وطني
أريدك أن تكون
مثل أبي
أريدك أن تكون
مثل ولدي
ولكن أنت
ماذا تريدني
وكيف تريدني
بعد أن سلبت
حبي وأملي
وأغلى نتاجات حياتي

الاثنين، يونيو 27، 2005

كلمات غائبة عن الوعي /1

قصائد ديوان
(إلى ذكرى ولدي القتيل)



قال لا تسمه فقيدْ
الساعات الطويلة وأنت وحيدْ
تتذكر...تترحمْ
تريد أن تفعل شيء
تريد أن تشارك أحداً بقول
تكتم حزنك
تفرغ دمعك
تتأسى وتترحم من جديد
ترغب في بث حزنك لصديق
أو لحبيب
لكنك المتألم الوحيد
والمتأسي الوحيد
والمترحم الوحيد...
ألم يعتصر فؤادك
لا يدركه أحد سواك
حجر صخرة
جبل مأساة
يسقط فوق رأسك
لا يزحزحه أحد إن أراد
أو لم يرد
...
الكل موجودون
الكل يتحدثون
بعضهم يجرح
ويصب الأسى فوق الحزن
وبعضهم بصمت يشاركك غصة الألم
فيخفف عنك
لولا...لولا
لولا لا شيء
لكنها قوة الاحتمال
وكثرة المصائب
واختبار الموت
مرات من قبل
تجعلك قادراً على الوقوف
تريد أن تبكي وتستمر في البكاء
تغسل الأرض بالدمع
لعلها تبدو أقل حزناً
تريد أن تستحم بدموع الذكريات
علها تكف عن البكاء
لكن لا شيء
لا شيء
يمتلك قوة تجعلُ من الموت
أمراً مقبولاً

أو حلاً محموداً
...
مهما يكن الموت
فهو أسوأ الحلول
وأقسى الاحتمالات
بسرعة خاطفة
وتسارع عجيب
تعب... فمرض...فغصة
فموت
لم يترك لي الموت فرصة
لم يعطني إنذار حرب
بل انقض عليه وطعنه في القلب
بل طعنني في القلب
لم يترك لي فسحة من الوقت
أجرم بحقي الموت
يقولون اصبر وتجلد
لكن لا أحد
يحس أو يعلم أو يدرك
كيف يؤخذ القلب من الصدر
كيف تسلب العين من المحجر
كيف يمتص الألم الدم من الجسد
اغسلي أحزاني أيتها الدموع
إن استطعت
امسحي على رأسي بحنان
إن أردت
لكن لا شيء...لا شيء
يمكن أن يرد القلب
أو يعيد العين
لو يعرف كم حزنت عليه
لتمسك بالحياة
لو يعرف كم ذرفت عليه الدموع
لقاتل الموت
لكنه ظن وقدر
أن غيري يأبه له
ظل يبتعد عني حتى غادر ني
بلا رجعة...بلا وداع تركني
أصبحت أخشى الليل
أخاف ساعاته الطويلة
هل ما زالت لدي قدرة على الصبر
على الاحتمال أو الاستمرار
لم يدرك يوماً كم هو عزيز علي
يسعى نحو المجهول
وأنا بكل ما أوتيت أجذبه
وأسترده
لكنه يحاول من جديد
في هذه المرة
لا أنا ولا هو قادران
بل أنا عاجز
لم يترك قلبي لحظة
لم يغب عن فكري مرة
هرب من عيني
لكنه لم يغادر جفني
ولن يغادرها
تسألني أما ولت حزيناً
وهل ينسى من عاش بعد قطع الرأس

السبت، يونيو 25، 2005

معارضة

في أيدينا النار
في أعناقنا الحبال
في عيوننا الملح
وعلى أكتافنا آثار السياط
علامات الرجم تزين صدورنا
وختم العبودية قرين جباهنا
قلوبنا مثقلة بالحزن
منهكة بالقهر
آمالنا. أحلامنا. طموحاتنا.
مطحونة
فوق رماد المستقبل
منثورة
نحن الجماهير
نحن المتلقون
نحن الرعية
أهل البيعة والفداء والفناء
دماؤنا. أولادنا. أرواحنا.
قرابين منحورة
على عتبات الرمز مرمية
حفنة تشبه الملايين
منبوذون
تجرؤوا على قول لا
خلف الزمان
يحاورون الظلام
حفنة من دون الملايين
محظوظة
بأرقام الفلك مشغولة
تعد وتكنز
وقطعة الخبز من أصابع غضة
تنشز
نحن المطلوبون
نحن المهمّشون
نحن السواد
عن قطرة من ماء الوجه
باحثون
سطوة القانون
درة العسس
يد القضاء
وقيد الجلاد
في وجه آثامنا
في كأس مائنا
في طحين خبزنا
في مرآة النهار
وعتمة الليل
في خلوة الأجساد
وأسرار الأمهات والبنات
بين اللذين لا يسألون عما يفعلون
وعصا الذين لا يفقهون
وأقلام الأذناب
نحن متوفرون
***
سماء الأنين
وحشرجة الصدى
تحاكي العويل
بذات النِدا
عذابات أنفاس
تعض اليأس
تلوك الأذى
في أقبية النسيان
تكتب الذكريات
وإذا تطاول العهد
تحت التراب
تقرأ النعي
شمس الخلاص
أطفأها الطغيان
مستقبل الماء والشجر
مستقبل الجبل والحجر
حاضر الرضيع
وتابوت الخشب
أحرقه مالك الهواء
وسيد البحر والفضاء
لا يبقي ولا يذر
ولا يدري إلى أي المستقر

الخميس، يونيو 16، 2005

قوى اليسار الديمقراطي والتيارات الليبرالية مسؤولية بناء دستور علماني وحمايته



ليس خافياً على أي متابع الضرورة البالغة صياغة دستور عراقي علماني ديمقراطي يؤسس لحقبة تاريخية قادمة في مستقبل العراق والدول المجاورة وحتى بقية الدول العربية. حيث سيؤخذ الدستور المنشود نموذجاً ومثالاً يقتدى به كأساس للتغيير في منطقتنا التي تقف على مفترق طرق ليس واضحاً إلى ما ستصل إليه الأوضاع في المستقبل القريب.
وإذا كانت هذه المهمة على قدر كبير من التأثير في الحاضر والمستقبل والداخل والخارج كان من الضروري الوقوف ومراجعة الواقع والمواقف السابقة لتحقيق المنشود في قادمات الأيام.
أثبتت الانتخابات العراقية ونتائجها أن القوى اليسارية والقوى العلمانية الديمقراطية ليس لها تلك القدرة أو الفاعلية المطلوبة حيث نستطيع القول بأن التيارات الدينية القبلية أثبتت وجودها بفاعلية أكبر وهي والحالة هذه ستؤثر إلى حد بعيد على نوعية الدستور وتوجهاته.
ويعد من أولى واجبات القوى العلمانية الديمقراطية واليسارية أن تضع لنفسها مشروعاً وطنياً تبين فيه رؤيتها لبيان الدستور والقيم والمبادئ التي ينبغي تحقيقها والانطلاق منها. ربما كانت ضبابية الرؤيا وتشتت التوجهات وعدم ترتيب الأولويات والحرص على المصالح الحزبية سبباً مؤثراً في تراجع تأثير القوى المذكورة على الشارع العراقي الذي لا يختلف كثيراً عما هو عليه في سوريا مثلاً فالتركيبية الدينية والعشائرية للثقافة الاجتماعية والعقلية السائدة لدى المكونات الفكرية للمجتمعات العربية والأخرى المحيط بها كان لها أكبر الأثر في الاختيارات الانتخابية والتوجهات النهائية للعمل السياسي.
إن تأجيل وإعادة دراسة المنطلقات الفكرية للقوى اليسارية ومراجعة مبادئها وغاياتها على أسس من الحداثة الفكرية والعلمانية بمفاهيمها الجديدة والشاملة ضرورة ملحة لتتمكن من صياغة المشروع السياسي الوطني القادر على استقطاب الشارع وبقايا الأحزاب القومية شبه العلمانية التي إلى الآن ترى نفسها أقرب إلى توجهات التيار الديني الملتوي والمتلون.
إن إدراك حقيقة ابتلاع التيارات الدينية والعشائرية لما يزيد على سبعين بالمئة من أصوات الناخبين يدعو إلى وقفة جادة للبحث عن الأسباب التي أدت بغالبية الناخبين إلى الهروب نحو الأحزاب الدينية.
وهذا يعني القيام بدراسة استقرائية وميدانية لمعرفة إذا ما كان هذا التوجه أصيلاً ومتجذراً أم أنه رد فعل على ما يعتقده غالبية الناس من اعتبار النظام البعثي السابق علمانياً مما رسخ في فكر العامة العداء للعلمانية لارتباطها تاريخياً في العراق وسوريا بقيم الاستبداد والفساد والإجرام وهنا تبدو ضرورة لبيان انفصال العلمانية عن الأنظمة الشمولية والتأكيد بالشرح والتفسير أن النظام البعثي السابق كانت له صفة وحيدة فقط لا يوجد لها مثيل في العالم أجمع وهي بكل وضوح السيطرة واستمرار السيطرة وتوريث القهر والاستبداد وليس لها أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد لأية قيم أو مبادئ أو أفكار.
إن استثمار التوجه الديني للنظام البعثي المندحر في العراق بطريقة تؤدي إلى كشف موقف التيار الديني وخاصة السني الذي كان سنداً معنوياً وفكرياً قوياً للنظام الاستبدادي البائد، سيساعد في جذب الناخبين ويدعم توجهات تيارات موجودة وما زالت لم تحسن أمرها بعد.

المشروع السياسي الوطني:
عندما نقول صياغة المشروع السياسي الوطني نقصد يذلك المشروع الذي يشمل كافة أطياف ومكونات المجتمع بل تعقيداته وتنوعه، ونقصد أيضاً انطلاقه من المصالح المباشرة والإستراتيجية للوطن باعتباره أرضاً وشعباً وحضارة. وصياغة مثل هكذا مشروع لا تتحقق إلا إذا كانت المنطلقات الأساسية والمكونات الفكرية له قائمة على أسس علمانية ديمقراطية تتيح للجميع الحفاظ على مكتسباتها السابقة وتكون حامية وحارسة لاستمرار العملية السياسية الديمقراطية بما يتيح في الحاضر والمستقبل استمرار فصل السلطات وتداول الحكم.
ربما كان من الضروري للمساعدة في تحقيق هذه المهمة تأكيد الحوار والانفتاح بين القوى اليسارية الديمقراطية والتيارات الليبرالية وتحقيق التقارب والتوافق بينها للتخفيف من حدة الخلافات النظرية التي كانت تعد دائماً سبباً للتنافر وحتى الاستعداء. إن المصلحة المشتركة في بناء دستور علماني ديمقراطي يوجب على القوى اليسارية أن تفكر بطريقة عملية وتتخلى عن النهج الإيديولوجي الذي جعل الكثير من تلك القوى لا تختلف في نمط تفكيرها وأسلوب معالجتا للقضايا والمشاكل الاجتماعية والسياسية عن الأنظمة الشمولية التي حاربتها لعقود خلت. فالالتزام بالمناهج الأيديولوجية المنغلقة لن يعطي الفرصة لفرز وطرح مشاريع حديثة قادرة على النهوض بالاقتصاد ومواجهة تحديات العولمة والتنافس الدولي التجاري القائم على فلسفة اقتصاد السوق الاستثماري.
لقد آن الأوان لندرك أن تحقيق مستويات عالية من التنمية البشرية والاقتصادية لا يتوفر إلى وفق اقتصاديات حرة واستثمارات نقدية دولية. ولندرك أيضاً أن السعي الدءوب للحفاظ على مصالح الطبقات الأدنى والأفقر في المجتمع لا يتحقق بتكسير وتفكيك الاقتصاديات والاستثمارات الفردية والخاصة. أي بعبارة أخرى لا يصح بحال من الأحوال السعي لتوحيد طبقات المجتمع في الحد المتوسط فذلك لم ولن يتحقق والحل الذي يتيح لكل الطبقات الفرصة لقيام ذاتها وبناء استثماراتها يتم الوصول إليه بالديمقراطية الاقتصادية آخذين بعين الاعتبار الحرص على العدالة الاجتماعية وترك الباب مفتوحاً دائماً للمراقبة والمسائلة وسن القوانين التي تحد من قدرة فرد أو مؤسسة على ابتلاع اقتصاديات المجتمع وتحويل خيرات الوطن إلى قطاع فئوي فردي كما يحدث حالياً في دول عربية ذات أنظمة شمولية حيث يسيطر أفراد معدودون على كل مناح الفاعلات الاقتصادية.

التحالف بين القوى اليسارية والتيار الديني:
في مناسبات عديدة تساءل الكثيرون عن إمكانية وجدوى التحالف بين القوى اليسارية والتيار الديني. وذلك على قاعدة الديمقراطية السياسية التي تعطي الحق للجميع في ممارسة الحكم ومراقبته ومسألته. وإذا كانت الديمقراطية تعطي الحق لكافة القوميات والانتماءات العقائدية في المشاركة بالعملية السياسية والاقتصادية والثقافية. التيار الديني عادة ما يرضى بهذه المنطلقات النظرية ولكن في التطبيق يتحول إلى سلطة شمولية لا تترك مجالاً للرأي الآخر إلى في حدود الدائرة المرسومة بالنصوص والفتاوى والأحكام وأقرب مثال على ذلك إيران حيث لم تنجح التجربة الديمقراطية الإيرانية في إدماج التيارات المختلفة والانتماءات العرقية والعقائدية في العملية السياسية الجارية هناك وتحولت التجربة إلى ديمقراطية المرشد الأعلى الذي يعين الرئيس العام للقضاء ويعين نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور الذي يعد السلطة الأقوى بعد المرشد العام.
إن التحالف مع التيارات الدينية لا يحقق إلا مصالحها فقط فهي قادرة على ابتلاع حلفائها أو على الأقل تنحيتهم لأنها في النهاية لا تقبل التعددية الفكرية أو حرية الاعتقاد فذلك ببساطة يتعارض مع أهم وأبسط قناعاتها ألا وهو العقيدة الإيمانية التي ترى في الآخر كافراً يستحق العقاب في الدنيا والنار في الآخرة، وإذا قبلت بالآخر لظروف ضعف أو لتكتيكات مرحلية فإنها لا بد وأن تنبذه عندما تملك القدرة على ذلك.
لذلك أرى أنه من غير المجدي والمفيد التحالف مع التيار الديني وهذا لا يعني معاداته أو محاربته بل لا بد من القبول به وحواره لكي يقبل بالآخر على ما هو عليه. أي الاعتراف بحق وجود تلك الفئة أو الفئات التي لا تنهج ولا تعتقد ببعض قين ومبادئ التيار الديني. فالعلاقة إذا تقوم على أساس من الاعتراف المتبادل والفوارق الحقيقية بين التيارات الدينية والقوى اليسارية وهذا لا يعني عدم وجود تقاطعت أو توافقت مرتبطة بحاضر الوطن ومستقبله إلا أنه ينبغي الحذر من التماهي أو التشابه في العموميات التي لا يختلف أحد عندما تطرح كشعارات غير محددة أو غير واضحة كمفهوم الحرية مثلاً.

خاتمة:
لا بد لقوى اليسار الديمقراطي من التحالف مع التيار اللبرالي الديمقراطي في مواجهة التيارات الدينية من خلال منافسة شريفة مفتوحة ضمن أجواء من الحرية والشفافية تلك التي تتوفر الآن في العراق. لذلك يبدو خطئاً كثيراً ترك الساحة السياسية والشارع الثقافي لأحزاب محدودة ذات طابع ديني وهذا يدعو إلى الاهتمام والعمل مع التجمعات الشعبية والتحرك عبر وسائل الإعلام المختلفة وخاصة تلك التي تصل إلى شريحة أكبر من الناس – كالتلفاز مثلاً- والانخراط في المنظمات الأهلية والمدنية والتجمعات النقابية والثقافية وتأسيس هيئات وتجمعات جديدة آخذة بعين الاعتبار السعي الحثيث لجذب النساء ومشاركتهن الفعالة والاهتمام بضمهن وتحقيق قدرتهن الكبيرة في كل مناحي العمل الثقافي والسياسي والشعبي.
إن التغيير المنشود لم يتوقف عند سقوط النظام البائد بل لا بد من العمل الحثيث والمستمر من أجل التغيير الثقافي والفكري وبناء الفكر النقدي الذي يتخذ العقل قيمة إنسانية لا حدود لها. وهذا العمل يتطلب حشد طاقات المفكرين والكتاب ونشطاء منظمات المجتمع المدني والهيئات الطلابية وجمعيات الاتحاديات الجامعية ذات الصلة المباشرة بشرائح المجتمع ومنتدياته الثقافية والفكرية وهنا أؤكد على دعم المفكرين والكتاب أصحاب الأقلام المتنورة والأخذ بيدها وإتاحة الفرصة لها للمساهمة في ترسيخ قيم ومفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان وممارسة حق المواطنة.

الأربعاء، يونيو 15، 2005

غراميّات الفرزدق وقصاص ابن لادن

إلى أي مدى تكون الإجابة على بعض الأسئلة البسيطة هامة و ذات أثر يتجاوز الزمان و المكان؟ هل الرسالة الإسلامية نفعية للإنسانية جمعاء, أم أنها مجرد علاقة بين الخالق و العباد تنتهي بأداء الفرائض؟ لن تكون الإجابة على تساؤل كهذا صعبة, لذلك سأتوجه نحو سؤال أصعب قليلاً, و الإجابة عليه موضع خلاف وشقاق, رغم أن الإجابة تكون بنعم أو لا. هل من أخطاء المسلمين الفادحة اعتقادهم أن الدين _أي التشريع الديني الموروث فقط_ فيه كل الحلول لكل المشاكل, و كل الأجوبة لكل الأسئلة؟
الواقع, إن الغالبية العظمى من المسلمين يوقنون أن اعتقادهم السابق ليس خطئاً على الإطلاق, بل هو ميزة. و القلة يرون العكس تماماً. و يقولون إن هذا الاعتقاد كان سبباً في محدودية التفكير الإسلامي المعاصر. لذلك لم تسع العامة للبحث خارج الفكر الديني عن أية فكرة أو توجيه لحياتهم, أو النظر نحو أية نظم مبتكرة. و بالتالي كان همهم الوحيد الدفاع عن الأفكار القديمة, و تحميلها ما لا تحمل. و بهذا انحسرت وظيفة العقل و غدا واجبه الأول العمل و البحث في إيجابيات الموروث و محاسنه, و درء الشبهات عنه و الذود عن حياض السلف.
و للمساعدة في تحديد موقف واضح مما سبق نستعرض بعض الأمثلة ذات الدلالة غير المباشرة, علها تأخذ بيدنا نحو المضي في بحثنا, و تهيئ لنا المناخ للخوض أعمق نحو إجابات واضحة و صريحة.
فمثلاً عمر بن الخطاب (رض) كان يخشى البحر, و يشفق على جنود المسلمين من الخوض فيه, لكن تاريخ غزوات المسلمين البحرية أثبت خلاف رؤية عمر. أيضاً كان الفاروق لا يحبذ غزو الترك, اعتماداً على أحاديث نبوية. لكن و كما هو معلوم, إن المسلمين غزوا الترك, و فتحوا بلادهم و انتهت الخلافة إليهم. و من هذا القبيل نذكر هنا إن عمر بن عبد العزيز كان يعارض غزو أسبانيا. و الحضارة الإسلامية هناك حققت نجاحات باهرة ما زال المسلمون يفاخرون بها في كل مناسبة. و هذا يعني أن رؤية عمر بن عبد العزيز كانت خاطئة في هذا المجال. بعد هذه الأمثلة لعله من المفيد هنا طرح السؤال التالي: لماذا قام المسلمون في عهد المأمون و في عهد الأندلس بترجمة كل ما وصل إلى أيديهم من كتب الرومان و اليونان إلى العربية, و من ضمن ذلك كتب الفلسفة و اللاهوت؟
بعد تلك المقدمة نصل إلى لب الموضوع الذي يتناول قضية هامة, يعد بحثها و من ثمة حل معضلتها سببا حاسما في النظر بواقعية و تجدد نحو مستقبل مختلف تماما. و سنطرح مسألتنا على شكل تساؤلات و هي : هل هناك أحكام شرعية منصوص عليها توَقـّف العمل بها رغم بقاء حكمها, والنصوص الدالة عليها. و هل حقا استطاع المسلمون بعد قرون طويلة تنفيذ كل ما ورد إليهم من أحكام فقهية, و أصبحوا الآن قادرين على تسيير حياتهم بالكامل وفقا لما قرره علماء الشريعة المعاصرون و الفقهاء الأقدمون؟ قد تكون الإجابة بسيطة و قوية لا لبس فيها, لكننا لن نتسرع في الرد, بل سنقوم بفتح نوافذ نطل من خلالها على بعض النظم و الأحكام الشرعية بنظرات محايدة و عقول منفتحة, خلافا لما جرت عليه العادة في مجتمعاتنا الحديثة. _و أقصد هنا الحداثة الزمنية فقط_ نظرات من الخارج إلى الداخل لا تتبنى أحكاما مسبقة أو تقييمات جاهزة. و ذلك في تجربة جديدة ربما استطعنا من خلالها فتح آفاق جديدة أكثر رحابة و أقل إعاقة.
نظرات في سورة الأحزاب :
سورة الأحزاب مدنية أي نزلت في المدينة المنورة. و كانت تعادل سورة البقرة, أي ما يقارب المائتي آية. فنسخ منها. و لم يبق منها إلا ثلاث وسبعون آية. أخرج أبو عبيد في الفضائل و ابن الأنباري و ابن مرودية عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي (ص) مائتي آية, فلما كتب عثمان المصاحف لم يقرر منها إلا ما هو الآن.(1)
بعملية حسابية بسيطة يظهر التالي:
تمّ نسخ ما يعادل 7% من القرآن الكريم, في سورة الأحزاب وحدها. ومّما نسخ في سورة الأحزاب آية رجم الشّيخ و الشّيخة إذا زنيا.
أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس أنّ عمر بن الخطاب قام فحمد الله, وأثنى عليه. ثمّ قال: أمّا بعد, أيّها النّاس: إنّ الله بعث محمّداً بالحق, وأنزل عليه الكتاب. فكان فيما أنزل عليه آية الرّجم. فقرأناها ووعيناها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم« رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده. فأخشى أن يطول بالناس زمان يقول قائل: لا نجد آية الرّجم في كتاب الله, فيضلوا بذلك فريضة أنزلها الله. انتهى. فرجم الشيخ والشيخة, أي كبار السّن, إذا زنيا فريضة من الله. والرّجم هو الرّمي بالحجارة حتى الموت للزاني المحصن. وهذا حكم معطل بفعل الزمان. ولن يكون تطبيقه مقبولاً, حتى لو أخذنا بنصيحة بعض العارفين, الذين قالوا ينفذ الحكم لبعض الوقت ليكون ردعاً, ثمّ يوقف. ويعاد العمل به إذا استشرى الوباء.
والواقع, إنّ تنفيذ حكم الرّجم لم يردع عنه فعل الزنى. فها هو عمر بن الخطاب (رض) يقول: رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده. أي إنّ تنفيذ الرّجم في عهد النبي (ص) لم يمتع وقوعه في عهد من بعده من الخلفاء, الذين رجموا كما رجم رسول الله (ص).
والسؤال هنا: منذ متى لم يطبّق حكم الرّجم بين المسلمين في بلاد المسلمين وفي غيرها؟ مرّت مئات طويلة من السّنين لم ينفذ, حتى جاء المذهب الابن لادنيّ, وطبّقه في أفغانستان. وزال اللادنيون من الحكم, ولم يطبق عند غيرهم.
نظرات في أحكام الأسرى:
سورة الأنفال, الآية (67) حتى (71) : «ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يتخن في الأرض... «
قال الشوكاني في فتح القدير: ومعنى ما كان لنبيّ, أي ما صحّ له, وما استقام. الإثخان, كثرة القتل والإثخان فيه... وقيل معنى الإثخان, التمكّن ومنه القوّة...
أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدرٍ كان أولى من أسرهم و فدائهم. ولما كثر المسلمون رخص الله في ذلك. فقال «فإمّا مناً بعدُ و إمّا فداء«.
رغب عمر بن الخطاب بشدّة في قتل الأسرى. فكرّر النبي السّؤال عمّا نفعله في الأسرى. فتنبّه أبو بكر إلى أنّ النّبيّ (ص) يريد رأياً آخر, فقال أبو بكر نرى أن نعفو عنهم وتقبل الفداء. وطالب عبد الله بن رواحة بإحراقهم... وكان بينهم العبّـاس عمّ النبي, وعقيل بن أبي طالب, ابن عمّ النبيّ (ص).
شبّه النبيّ أبا بكرٍ بإبراهيم, عليه السّلام. الذي قال: من تبعني فإنّه مني ومن عصانيّ فإنّك غفورّ رحيم. وشبّهه بعيسى عليه السّلام الذي قال: إن تعذبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك غفور رحيم. وشبّه عمر بن الخطاب بنوح عليه السّلام, حين قال: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا. وشبّهه بموسى عليه السّلام حين قال: ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
لما علم النبي (ص) أن العبّاس بين الأسرى, وأن الأنصار وعدوا بقتله, خشي النبي على العبّاس. فذهب عمر وأحضر العبّاسمن بين الأسرى. وطلب منه الإسلام. وقال عمر للعبّاس: يا عباس أسلم. فوالله إن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطاب (والد عمر).
قال المفسرون:
إنّ الله غفر له , وسامحهم على عدم قتل الأسرى وقبول الفداء منهم, بسبب عدم علمهم بحرمة الأمر, أي بحرمة العفو عن أسرى بدر. وذلك قبل ورود الرّخصة فيما بعد.
قال ابن عبّاس: سبقت لهم الرحمة من الله, قبل أن يعملوا بالمعصية.
إذاً العبّاس دون غيره عُرض عليه الإسلام, أنّه أسلم بعد ذاك, بل بعد الفداء. ودفع الفداء عنه وعن عقيل بن أبي طالب.
ولمّا جاء النبيّ بعد زمن مالٌ من البحرين أتاه العبّاس فقال: يا رسول الله, إني دفعت فدائي وفداء عقيلٍ يوم بدر. أعطني من هذا المال. فقالَ: خذ,فحثا في خميصته ثمّ ذهب_أي العبّاس_ ينصرف, فلم يستطع_أي من ثقل الحمل_ فرفع رأسه وقال يا رسول الله ارفع عليّ. فتبسّم رسول الله (ص), وذهب العبّاس.
يبدو جليّا أنّ الحكم تغيّر تغيُّراً جذريّاً. فبعد غزوة بدر تغيّر الحكم وصار على الشّكل التالي:
«فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداء«. فهل يصحّ أو يعقل أن يأتي عالم ويقول: إنّ حكم قتل الأسرى مازال جارياً, ويقوم بتنفيذ ذلك. وهذا ما وصل إليه اجتهاد الزرقاويّين في العراق اليوم, فهم حسب زعمهم ينفّذون حكم الله في الإثخان بالأسرى._وهو كما مرّ معنا كثرة القتل و المبالغة فيه_
فهل يقبل أن يكون هذا الحكم ظرفياً, مقترناً بالظروف المشابهة للذي كان منذ خمسة عشر قرناً؟ عندها نقرّر إعادة تطبيق حكم الإثخان بالأسرى.
يذكر التاريخ أن الحسن البصري كان يناقش الزّنادقة في وجود الله ضمن مساجد البصرة. وتبهرنا أشعار الفرزدق, وهو يتحدّث عن غرامياته المحرّمة, والتي ينشرها على الملأ. رغم أنّه يعدّ الناطق الإعلامي الرّسميّ للدّولة الأمويّة آنذاك. وليس ببعيدٍ عنه زمنيّاً ما كان يفصح عنه أبو نوّاس, شارحاً عشقه الغريب, ونوادي الشّراب التي لا تنتهي. وكلّ ذلك مدوّن, معلوم وشائع لا تعتيم عليه ولا تبرير.
أريد ممّا سبق الوصول إلى أنّ الحرّيّة الفكريّة والحرّيّة الشّخصيّة كانت سائدة, ومعروفة في عهود كان فيها المسلمون أقرّب منا كثيراً إلى مهد الرِّسالة. وكانوا أيضاً من أقطاب العالم الرّئيسيّة, يحسب لهم ألف حساب. ولا أعني بهذا أننا نعيش في أحسن حال, أننا خيار الخيار, بل أريد التأكيد على ضرورة التغيير من منطلقات علميّة, وآراء نقدية جريئة وصريحة. وبيان أنّ ما نعاصر من قيود على الرّأي والفكر, ليس من الدُّول, فهذا أمر مفروغ منه, بل من الشّعوب أيضاً. فنحن في زمن تحاصر العامّة فيه كلّ فكرة نيِّرة, أو رأي جديد, وتضربه بالنّار والحديد.

الاثنين، يونيو 13، 2005

الحرير فوق أجساد مترفة

في عش لا يقوى على صد الرياح
تفتت جدرانه
أصوات الباحثين
عن ناطحات السحاب
تلاصقت أجساد الفراخ
تحارب البرد
عيونها جاحظة نحو السماء
أفواهها مفتوحة
يكاد يقتلها الجفاف
والنسر الشجاع
ما زال يحلق منذ أيام
أنهك جناحيه العوز
وأعمى عينيه الفراغ
عاد
ليضع في فم كل فرخ
بضع حصيات مبللة بدموع
ثم سقط على حافة العرش
ينتظر الموت
لعل الصغار
يجدون وجبة
تجعل الموت أمراً بعيداً
* * *
في أمكنة تجاور فيها
صنابير الذهب
أسقف الصفيح
وينساب الدفء في حجراتها
كالحرير
فوق أجساد مترفة
تشرف على أزقة
يختلط فيها
الماء المالح
مع أقدام عارية
غضة بضة
تلتقط الحب
تبحث عن زجاجة
مازال فيها
قطرات من رحيق الجنة
* * *
( الحرة لا تأكل من ثديها )
والعبدة تطعم الصغار
من عرق فخذها
المنسوبة تشوي القلوب
وتطعم الفئران نصف المائدة
المعزولة تغلي الحصى
تزور البقايا
تأكل ما توفر
من (( النطيحة والمتردية والموقوذة ))
وما ترك السبع
تبيع جدائلها
تبيع أحزانها
تبيع ابتسامات
خرجت من أصيص العذاب
وما أذن السبع
وما تملك
لا يسد تسرب الوباء
ولا يوقف أعواد القصب
والجسد لن يصمد طويلاً
داخل السوق
والثمن لا يملأ
أحشاء أرانب
لا تعرف ساعداً
ولم ترى شارباً
المحمية بأوراق ومعادن
تنثر العطر
تشتري العصا
والحائرة في قدر
لا يعرف الحياة
يغشاها الغدر
وتحوم حولها الشبهات
* * *

السبت، يونيو 11، 2005

مراجعة للثقافة الدينية السائدة المسؤولة عن عبودية المرأة للرجل

المقدمة :
يرى كثير من الكتاب والمفكرين الإسلاميين أن كل مشاكل المجتمعات والدول الإسلامية تحل بالعودة إلى النصوص والأصول وهي بدورها ستتكفل بالعمل على صنع المعجزات وحل الأزمات وتحقيق سيادة الأمة وحضارتها مثلما فعلت منذ قرون عديدة كما يظنون.
متجاهلين حقيقة أن النصوص المأثورة بحاجة إلى مراجعة وتدقيق لما تشتمل عليه من تناقضات وتضارب بين العموميات والتفاصيل. ودراستنا هذه محاولة لبيان هذه الحقيقة وسعي لإدخال التفكير العقي النقدي في مجال دراسة المأثور والمنقول من التراث الثقافي الديني المشكل للبنى الاجتماعية والثقافية والعقلية السائدة في المجتمعات العربية الإسلامية.

المرأة والعبودية للرجل:
تأخذ الكلمة أبعاداً جديدة عندما تضاف إلى المرأة وتغدو الحرية خاصة ذات قيمة إضافية لحظة اقترانها بالأنثى، وتكمن المشكلة الحقيقية في القيود الأدبية والاجتماعية المضافة إلى القواعد التشريعية والقانونية التي تحيط بالمرأة من قبل ولادتها وحتى لحظة الوفاة. ولقد كانت هذه الضوابط شديدة القسوة، بالغة الغلظة عندما تتعلق بالشرف والكرامة وبحجة البعد عن الفاحشة والخطيئة. وتتفاقم الأزمة عندما تتحالف الضوابط الاجتماعية التي تراكمت عبر قرون من التأخر والتخلف مع الحدود المنصوص عليها شرعاً، بما يدعو إلى مراجعة تلك النصوص والبحث في مضامينها ومدلولاتها ومفاهيمها.
الرجل مقابل المرأة أخاً أو أباً أو زوجاً وحتى ابناً. هو السيد الولي المتصرف في الحاضر والمستقبل، له حق الوصاية والانتداب. والمرأة قبل الزواج مرهونة بقراراته وأوامره وعندما تتزوج تتفاقم المشكلة لأبعد الحدود فتغدو المرأة عابدة حقيقية بالنص المحقق والواجب المقدس للرجل. ولا يخفف من ذلك دعاوى تطالب بالرفق والمعاشرة بالمعروف أو العدل الظاهري أو المساواة في أصل الخلق.

المرتبة والشهادة:
اعتبر الفكر الديني الرجل رمزاً لكمال العقل البشري وصورة لجمال وقوة الجسد وكثيراً ما يضرب المثل للدلالة على جمال الذكر بالتشابه بين الإنسان وبقية المخلوقات مثل الطيور وبعض الحيوانات الأخرى. فالطاووس الذكر جميل وضخم وأنثاه بشعة وضئيلة وكانت هذه الأمثلة تعتبر المسألة ذات دلالة قوية على فطرة الله التي خلق الناس عليها. ولم تكن القضية لتأخذ هذا التوكيد وهذا الرسوخ إلى لوجود بناء فكري متين يستند إلى الكثير من الأدلة والنقول المباشرة وغير المباشرة التي أكدت على تميز الرجل على المرأة بحكم أن الذكر كان دوماً صلة الوصل بين الخالق والعباد، فكل الرسل والأنبياء كانوا من الرجال وحتى الملائكة لا تجوز نسبتهم للأنثى، ولا يستبعد أن تعد مثل هذه النسبة كفراً.
وفي الوقت الذي عاب فيه القرآن على أهل الجاهلية وأد البنات وحرم هذه الفعلة الشنيعة التي كان سببها الخشية من عار السبي والفقر وعد الحزن عند ولادة الأنثى سوء فهم وحكم، وإلى جانب آيات مثل ((ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن)) النساء 124 والتي توحي بالمنزلة الواحدة والمرتبة المتساوية نزلت آيات دلت دلالة أكبر على تميز الذكر على الأنثى ورفعة مكانته وعلو منزلته ((وليس الذكر كالأنثى)) آل عمران 36 ((ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى)) النجم 21,22 ((إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى)) النجم 27.
وتدل الآلات في سياقها والآيات التي تليها باختصاص الذكر من حيث اعتباره الأقرب في صفاته الجسدية والعقلية إلى الكمال البشري مما يبرر اعتبار الأنثى أقل منزلة ومرتبة رغم ما ورد من إشارات أو دلالات عامة. وكما هو معلوم في أصول الفقه فإن الخاص يحكم العام، فإذا جاء نصان في مسألة واحدة أحدهما عام والآخر خاص كان الحكم للنص المخصص واعتبر النص العام مخصصاً أي لا يبقى على عمومه فالتخصيص أقوى من التعميم.
في مثل هذه الأرضية ومثل هذه التربية نشأ الاعتقاد والقناعة بصغر عقل المرأة تأسس عليه أحكام شرعية وقانونية ما زالت تمارس وتطبق إلى يومنا هذا في الغالبية العظمى من الدول الإسلامية. فهي لا تصلح للشهادة في عقود الزواج والطلاق أما في العقود المدنية الأخرى فشهادتها النصف الغير متكافئ ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)) البقرة 282 .
ولماذا امرأتين؟ لأن الأنثى قد تضل والضلال هنا بالنسيان والقصور لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال والآية تدل عدم قبول العقد بشهادة النساء فقط (وأنها لا تجوز شهادة النساء إلى مع الرجل ولا وحدهن) الشوكاني فتح القدير ج1 306 . إلا في بعض الحالات التي تقتضي السرية وعدم إطلاع الرجل على عورة المرأة حتى ولو كان طبيباً أو خبيراً مؤهلا. فالنساء ولو كن أربعة لا يستطعن الشهادة على عقد شرعي أو مدني إذ لا بد من وجود العنصر الذكري ليستقيم العقل. وهنا أتخيل كم من المعاملات والعقود المدنية والتجارية والاعتبارية التي ستهدم في حال تطبيق هذا الحكم ولست أبالغ بأن وجه التعاملات المدنية والقانونية سيختلف تماماً لو أراد الأصوليون تطبيق مثل هذا الحكم لذلك نجد أنه غير معمول به في عدد كبير في الدول الإسلامية في مجال العقود المدنية. ولكن فيما يخص العقود الشرعية وحتى في الدول التي صارت فيه المرأة وزيرة ونائبة وقاضية كسوريا مثلا فإن قانون الأحوال الشخصية ينص على عدم قبول شهادة المرأة في الزواج والطلاق، كما لا تجوز ولايتها على البنت القاصر ليس حفاظاً على القاصر، ولكن لعدم الاعتراف بأهلية المرأة للولاية، فالرجل يستطيع تزويج القاصر باعتباره ولياً عليها. وهنا التأكيد من جديد على المكانة والامتياز حتى في المجال ألاعتقادي والإيماني الذي يبرز فيه بشدة تمييز الرجل عن المرأة بحكم أن الذكور كانوا دوماً صلة الوصل بين الخالق والعباد وأعني الأنبياء والرسل. وفي النصوص التي جاءت في الأساس لتحقيق المساواة في الرتبة لا بد وأن تشير بطريقة ما إلى الدرجة التي يرتقيها الرجل أعلى من الأنثى ((إن المسلمين والمسلمات....والذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) الأحزاب 35.
وهكذا تتوافر النصوص الدالة على رفعة الذكر وامتياز عقله وجسده وعاطفته وحتى إيمانه واعتقاده لشيوعها ورسوخها في أصول التعامل المدني والاقتصادي وعليه كان لزاماً انتشار ثقافة احتقار المرأة ودونيتها. والإشكال الرئيس هنا أن النصوص التي أشارت إلى المساواة والمنزلة الواحدة ليست واضحة تماماً وهناك مجال كبير لإخراجها عن عمومها بالنصوص الخاصة والأشد وضوحاً وكل ذلك أسس لقيم ومفاهيم رسختها أحكام تشريعية وفتاوى فقهية شكلت المكون الثقافي الديني والخيال الشعبي الواعي واللاشعور تجاه دونية مرتبة المرأة لمجرد أنها أنثى وعلو شأن الرجل لمجرد كونه ذكراً. وتفاقمت المشكلة عندما ارتبطت بالجهل والتقليد واختزال الفقه والعلم برؤوس المشايخ وخطباء المساجد وعندما غدا العلم الشرعي عند غالبية المتدينين مكنوزاً في صدور أئمة المساجد والقائمين عليها والذين بدورهم حرصوا على إبعاد السواد الأعظم من المسلمين عن الرجوع إلى النصوص وخوض غمارها خشية زلزلة مكانتهم وسحب امتيازاتهم.

عظيم حق الزوج على المرأة:
تعتبر الثقافة الدينية الزواج حجر الزاوية في الحفاظ على الأسرة والمجتمع ويعد الحصن الحصين لمنع الفاحشة وسد الطريق على العلاقات الجنسية المحرمة ، وتدل آيات وأحاديث على سمو عقد الزواج الذي بموجبه يتم استحلال العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة وتتحول المرأة بموجبه إلى كيان مرتبط بشدة بالرجل وملتزم إلى أبعد الحدود بأوامره الصارمة وواجباته المقدسة. وهو في الواقع السبيل للنجاة أو الخسران في مآل المرأة في الدنيا والآخرة. (فانظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك) مسند أحمد 18233 عن حصين بن محصن، إذاً فمقام الرجل رفيع لدرجة أنه قد يدخل المرأة الجنة أو النار. وهذا في الحقيقة غاية الدين وأساسه بعد رضا الخالق الذي يتحقق برضى الزوج فيما أحل الخالق.
وبرغم من وضوح هذا المعنى ودلالاته التي لا تخفى على النساء والرجال على السواء فلقد جاء نصوص أخرى مؤكدة لهذا المفهوم وداعية المرأة للشعور ببالغ القدر والفضل الذي قدمه الرجل بزواجه منها. (فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على التنور لم تمنعه) رواه ابن ماجة
(لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها) رواه النسائي.
وأمثال هذه النصوص لا تدع مجالاً بالشك بالتفاوت العظيم في مكانة المرأة والرجل والتي تفرق بينهما إلى درجة قريبة من الاستعباد فمع أن الإسلام حرم السجود لغير الله وهذا معلوم من الدين بالضرورة إلا أن المكانة المرموقة والرتبة العالية للرجل فوق المرأة كادت أن توصله إلى مرتبة تسجد فيها المرأة له. لماذا؟ لعظيم حقه عليها وبالرغم من قدرة الرجل على تعدد الزوجات وتغييرهن فإن فضل الرجل الواحد على كل النساء اللواتي تزوجهن عظيم لدرجة قد تصل إلى اعتبارهن إماء مرتهنين بطاعته وإشباع رغباته وتنفيذ أوامره في الحدود والقواعد المسموح بها شرعاً التي تعطيه كل الصلاحيات للتحكم بحياة أزواجه وتصريف شؤون حياتهن صغيرها وكبيرها بدون اعتبار لقدر المرأة التي ربما تفوق الرجل ثقافة وفهما وأدباً في واقع الحياة.
وربما يظن البعض أن هذا التوجيه محدود أو مخصوص وليس توجهاً عاماً لذلك لا يصح البناء عليه وأخذه على أنه حكم عام وشامل ويمكن حصره في حدود ضيقة وفي حوادث مخصوصة بحد ذاتها. إلا أن تكرار النص عن عدد كثير من الصحابة وروايته في أكثر من مصدر مختلف برواية مختلفة يؤكد على كون المرتبة والعلاقة بين الرجل ونسائه كادت أن تقترب من العبودية. ويؤكد على رسوخ هذه القناعة ويؤسس لها في القيم الأخلاقية والمدنية نصوص أخرى لا تقل دلالة ولا وضوحاً إلى غريب التفاوت في المراتب والمنازل بين الرجال والنساء وعلى الأخص في الحياة الدنيا والعلاقات الإنسانية. (والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه) رواه النسائي وفي مسند أحمد أبلغ وأوضح من هذا النص برقم 21063
(لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه) رواه النسائي.
وهذه ليست أحاديث شاذة أو غريبة أو نقلت من مصادر مشكوك بها بل هي من الأحاديث المعول عليها تكررت روايتها وتعدد رواتها في أمهات المصادر والمجاميع الموثوقة تاريخياً كمرجعيات للآثار والسير والنصوص المعتمدة كأساس للفقه والأحكام الشرعية والنقول المتعاقبة عن النبي والصحابة والتابعين.
المرأة الناشز:
وهذا فصل آخر من فصول العلاقة الفوقية بين الرجل وزوجته يستند إلى تلك الفوارق في المتربة التي قامت عليها أحكام الزواج والطلاق والميراث وكافة التشريعات التي استندت إليها قوانين الأحوال الشخصية في العديد من الدول الإسلامية والتي ما زلات تشكل ظلماً واضحا بحق المرأة وتتسبب ف إبعادها عن المشاركة في الحياة العامة وتتركها فريسة لأهواء المفتين وشهوات القادرين.
ورد في القرآن ذكر لقضية هامة في العلاقات الزوجية وتم الوقوف عندا وطرح العلاجات والوقايات لها ألا وهي مشكلة النشوز الذي هو مصطلح فقهي له معنيان الأول يخص المرأة الناشز وهي التي استعصت على بعلها وأبغضته والثاني يخص الرجل وهو المعرض والمجافي والضارب.
ولما كان الأصل في العلاقة الشرعية بين الرجل وزوجته أو زوجاته أنه صاحب القوامة له حق الطاعة مقابل واجب المرأة في الاستجابة والخضوع والرضى كانت معالجة النشوز مستندة إلى هذا المبدأ فاعتبرت المرأة الناشز عاصية لربها تستحق العلاج والتأديب ((واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا)) النساء. 34
وآية النشوز هي نفسها آية القوامة وهي نفسها آية التأكيد على ربط رضا الله بواجبات الزوج وهي تشير إلى ما يمكن أن يفعله الرجل أو ما يصلح له فعله فيما إذا خشي العصيان أو الطاعة المترددة. والمعنى الصريح يدل على أن مجرد الظن أو ظهور بعض الدلائل على النشوز وليس فعله يستوجب الموعظة والهجر والضرب غير المبرح. وفي كل الحالات السابقة التي لا يرى المفسرون ضرورة في إتباع ترتيبها بل يختار الزوج العلاج الأمثل حسب ما يراه مناسباً. يتصرف الرجل من موقف السلطة والملك من موقف الأشرف والأعلم والأحكم.
وليس خافياً أن العنف ضد النساء موجود في جميع أنحاء العالم وهناك مؤسسات وهيئات محلية ووطنية لمحاربته والخلاص منه واعتباره خطئاً وانحرافاً تجب معاقبته وتجنبه وإنهاؤه. إلا أن المشكلة في التفكير الديني هي الاعتقاد بوجود حجة شرعية وفقهية لفعله ولم يتجرأ أحد من المفسرين أو الفقهاء أو الدعاة الجدد على إيجاد حل لهذا النص ومعالجته بطريقة تجعل المرأة على قدم المساواة في العلاقة بينها وبين الزوج. وكما هو معلوم فإن هناك نصوص عديدة تدل بعمومها على حسن المعاملة والإكرام والمساواة إلا أن الأزمة في كون تلك النصوص جاءت من باب الندب والنافلة والنص الذي بين أيدينا من باب الوجوب والقصاص.
(والجدير ذكره هنا أن رسول الله ما ضرب امرأة ولا خادماً قط) النسائي عن عائشة.
إلا أن مجمل التعليمات والتوجيهات والتوصيات التي أشرنا إلى قسم منها في بحثنا هذا جعل من الالتفات إلى مثل هذا النص أمراً عابراً وسنة مقابل الواجب أو الفرض.
الجانب الآخر في النشوز هو الرجل حيث جاء ذكره أيضاً لكن العلاج والوقاية كانت مختلفة تماما ((وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح)) النساء 128
والآية تدل على ما يجب فعله عندما تخشى المرأة أو ترى ظهور عوارض إعراض زوجها عنها أو جفائه لها أو ضربها. والحل المطروح هو أن تتنازل وتقدم المبررات لمنع النشوز ويكون ذلك بإسقاط دورها من المجامعة لزوجة مفضلة عنده في حل كونها إحدى الزوجات المتعددات. أو تتخلى عن النفقة أو بعضها أو تخليها عن المهر أو بعضه ((راجع الشوكاني مجلد أول ص512))
إذاً فطريقة العلاج مختلفة تماماً كما هي المكانة والموقع والصفة، فبينما كان علاج المرأة الناشز بالوعظ والهجر والضرب فجاءت وقاية المرأة من نشوز زوجها بإشباع لرغباته المادية والجنسية وإعطاء المزيد من الحرية والاستقلالية لزوجها الذي يفضل عليها غيرها من نسائه وإمائه. والملفت للنظر عند تأمل الفروق بين حالات نشوز المرأة أو الرجل أن الخطاب في نشوز النساء جاء بصفة الجمع ((واللاتي تخافون نشوزهن)) في حين أن الخطاب المتعلق بالزوج جاء بصيغة بصيغة الفرد (وإن امرأة خافت). وهكذا فمجموع العنصر الرجالي لهم حكم عام فكل أولئك الذين يخشون من نسائهم المعصية أو الجفاء لهم حقوق عامة واضحة وصريحة ومعلنة في حين أن تلك المسكينة المرأة الفرد عندما تخشى الضرب والإعراض والجفاء تلجأ إلى تسوية
على حسابها الخاص نفسياً أو جسدياً أومادياً، المهم أن تكون التسوية في كل الحالات لمصلحة الأفضل والأقوم أي الرجل.
2*

نسب ولد اللعان وولد الزنى:
اللعان مصطلح فقهي اشتق من آيات اللعان الواردة في سورة النور 6-9 وهي علاج لتلك الحالات التي يشك الزوج فيها بزوجته لوجود دليل مادي أو اشتباه فإنه في هذه الحالة يقسم أربع مرات أنه من الصادقين في تأكيد خيانتها ثم يشهد في القسم الخامس على نفسه باللعن إن كان من الكاذبين. وتقابله زوجته بنفس الأيمان لتدرأ عن نفسها العذاب وعندها يقوم القاضي أو الوالي بالتفريق بينهما وما نريد الوقوف عنده ببحثنا هو الولد الذي بين يدي الزوجة أو في رحمها وبالرغم من تساويهما في الأيمان فكلمته في مواجهة كلمتها إلا أنها هي التي تتحمل التبعات كاملة فالرجل يتبرأ من الولد فلا يحمل اسمه ولا يرثه وينسب الطفل أو الضيع أو الجنين إلى أمه ويرثها وتتكفل به نفقة ورعاية ولا يلحق الزوج من ذلك شيء وتنقطع علاقته بالمولود أو الطفل بعد أدائه الأيمان الخمسة ولا نفقة ولا سكن للمرأة بعد اللعان ((عن سهل بن سعد أن رجلاً أتى رسول الله فقال: أرأيت رجلاً رأى مع امرأته رجلاً أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل. فأنزل الله فيهما ما ذكر من القرآن من التلاعن فقال رسول الله (ص) قد قضى فيك وفي امرأتك وكانت حاملاً. فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها)) البخاري وروى مثله أيضاً مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
قال الإحوذي في شرح الترمذي : يلحق الولد في النسب والوراثة بأمه ولا توارث بين الملاعن وبينه. ولا قوت لها ولا سكن من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق أو موت.

فالمرأة الأضعف هي المسؤولة عن تبعات الملاعنة التي تحتمل الخطأ أو الشبهة أو الكذب.
وهذا واضح في القصص التي رويت في الملاعنة وفي اليمين الخامس للملاعن الذي يلعن نفسه إذا كان كاذباً والمرأة تفعل نفس الشيء فهما أمام القسم متساويان ولكن في الأعباء والمسؤوليات والنتائج تتحمل هي التبعات لأنها الأدنى شأنا والأخس مكانة.
في عصرنا أصبح من الممكن تحديد نسب الولد بدقة نهائية ومعرفة فيما إذا كان إنكار الرجل لابنه صحيحاً أم باطلاً وبالرغم من هذا التطور العلمي إلا أن المحاكم الشرعية في البلاد الإسلامية لا تأخذ بقرارات العلم ولا تلتفت إلى حقيقة النتائج المخبرية وما زالت تناقش وتحكم على المسألة بآيات وأحاديث اللعان.
وليس بعيداً من ذلك نسب الولد الزنى وهي الحالة التي تنتج عن علاقة ير مشروعة بين الرجل والمرأة ففي الجاهلية كانت المرأة قادرة على إلحاق الولد بأحد الرجال الذين زنت معهم ولكن في الإسلام لم يعد ذلك مقبولاً لعظيم فاحشة الزنا ولم يعد من الممكن إلحاق الولد بالرجل الزاني بل يلحق بأمه ((عن الحسن في رجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها قال: لا بأس إلا أن تكون حبلى فإن الولد لا يلحقه)) سنن الدارمي 2982
(إذا كان أبوه الذي يدعى إليه أنكره وإن كان من أمة لا يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه – أي الولد- لا يلحق بالرجل ولا يرث من أبيه) راجع مسند أحمد 6745
ونحن هنا لا نتحدث عن قصص تاريخية أو أحداث غابرة في قديم الزمان بل هي أحكام مقننة ومدونة في قوانين الأحوال الشخصية ومعمول بها إلى يومنا هذا ويستند إليها القضاء الشرعي في بيان الحقوق وإصدار الأحكام.
في حالة ولد الزنى أيضاً يتحمل الأضعف والأخس وهو المرأة هنا التبعات والمسؤولية وحتى لو تزوج الرجل المرأة التي زنى بها وقد يجبره القانون على ذلك لكنه غير ملزم بالولد غير الشرعي ويمكن له التبرؤ منه ومن النفقة والسكن والميراث ويلحق ولد الزنى بأمه حتى ولو كان هناك شبهة أو دليل على أن الرجل الذي قام بفعل الزنى أب للولد الناجم عن العلاقة.

الولاية في الزواج:
تعد مسألة الارتباط بين المرأة والرجل من أكثر الخصوصيات الشخصية وضوحاً وأشدها تأثيراً على حياة المرأة في حاضرها ومستقبلها ولما كان الشرع قد حصر العلاقة بالزواج فقد ازدادت أهمية الاختيار وضرورة سيطرة المرأة على القرار لأنه بالنسبة لها مسألة ذات خصوصية بالغة فزوج المستقبل هو الوحيد في حياتها وهو الذي سيسلبها الإرادة والحرية وعليه كانت هي المستفيدة والمتضررة الأولى في حال نجاح الزوج أو فشله. وهذا خلاف للرجل الذي بإمكانه التعدد والتمتع والاسترقاق والطلاق. ونسجاً على الموقف التقييمي المسبق للمرأة باعتبار النقص المرتبط بأحقابها العقلية وخبراتها الشخصية كان لا بد للأنثى من الخضوع في اختيارها للذكر وولايته لإتمام مسألة الارتباط أو عدمه.
(قالوا لأن الزواج له مقاصد متعددة والمرأة كثيراً ما تخضع لحكم العاطفة فلا تحسن الاختيار فيفوتها حصول هذه المقاصد فمنعت من مباشرة العقد وجعل إلى وليها لتحصل على مقاصد الزواج على الوجه الأكمل) سيد سابق فقه السنة فصل 7 ص9
وهكذا فأمر ولاية الذكر على الأنثى في قضية الزواج مرتبط بالمقاصد الشرعية والأهداف الدينية لمؤسسة الزواج التي قامت على أركان ذكورية بحتة تنطلق من القيمة العليا للرجل الأعلى تجاه الأدنى وهي المرأة المخلوقة من حيث الوظيفة والواجبات لأجل الرجل الذي بسببه تدخل الجنة أو النار وبرضائه تنال رضا الرب.
((عن عائشة أن رسول الله (ص) قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)) مسند أحمد 23074 وغيره كثر
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)) سنن ابن ماجة 1872 وغيره
رغم وجود خلاف بين الفقهاء حول الولاية على الزواج فإن الأدلة القوية المباشرة والنصوص المأثورة في تفسير العديد من الآيات المتعلقة بالمسألة تدل بوضوح على وجوب الولاية ((راجع سبل السلام للصنعاني ج2))
ومن الأحكام الغريبة في مسألة الولاية على الزواج والتي لا تقبل إلا التفسيرات التي أوردناها بخصوص الرتبة والمكانة الأحكام التالية : 1(لا تشترط العدالة في الولي إذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج إلا إذا خرج به الفسق إلى حد التهتك
2 ليس للمرأة ولاية النكاح أي أنها ليست مؤهلة لتكون ولية في زواج امرأة أخرى حتى ولو كانت أماً أو جدة أو أختاً كبرى فمؤهلاتها التكوينية لا تجعلها قادرة على مشاركة امرأة أخرى في الانفراد في قرار حياتها الخاصة فكما في الشهادة الأمر مماثل في الولاية فإن مجموعة النساء لا تساوي رجلاً فردا
3 يحق للولي في الزواج أن يزوج المرأة لنفسه)

زواج الفتاة الصغيرة:
يعد من العادات والتقاليد الشائعة في المجتمعات العربية الإسلامية خاصة تلك التي تصنف كمحافظة أو متدينة ((اليمن والسعودية وباكستان)) إلى جانب بعض الدول التي غيرت القوانين السائدة ورفعت سنّ الزواج للبنات والشباب لما يقرب من السن التي يحق فيها الانتخاب ((الأردن وتونس))
وتتوضع المشكلة في كل الحالات بوجود نصوص شرعية ترعى زواج الصغيرة وتشرعه بضابط وجود ولي للبنت الصغيرة واشتراط سكوتها الذي يعد شرطاً لا معنىً له، فالصغيرة لا يمكن ولا تستطيع الاعتراض على أمر وليها في تزويجها فحتى أنها لا ترى لها حقاً في ذلك فموافقتها المشروطة بالسكوت مضمونة أصلاً
(توفيت خديجة قبل مخرج النبي (ص) إلى المدينة بثلاث سنين فلبث سنتين أو قريباً من ذلك ونكح عائشة وهي بنت ست سنين ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين))رواه البخاري 3607
عن عائشة أن النبي (ص) تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع ومكثت عنده تسعاً)) رواه البخاري 4738
وهذه نصوص مذكورة في كتب الحديث والمراجع الفقهية المعتمدة ومنها استنبطت أحكام تبيح نكاح بنت الست سنوات والدخول بها بنت تسع بشرط الولي (أما الصغيرة فإنه يجوز للأب والجد تزويجها دون إذنها إذ لا رأي لها. والأب والجد يرعيان حقها ويحافظان عليه وقد زوج أبو بكر ابنته وهي صغيرة دون إذنها إذ لم تكن في سن يعتبر فيها إذنها وليس لها الخيار إذا بلغت) فقه السنة ف7 ص13
هذا الحكم المنقول من كتاب فقه السنة لمؤلفه سيد سابق وهو عالم أزهري ومفتي مصري سابق يعد من المنتمين إلى تيار الوسط وطبع كتابه المذكور سنة 1986. أي أننا لا ننقل عن كتب أفت قبل قرون بل من كتب معاصرة ومازال لها تأثيرها وقراؤها ومازالت حية تؤثر في الثقافة الاجتماعية وتعد مراجعاً لسن القوانين الحديثة.
فالأزمة المتجذرة منذ ما قبل الإسلام ما زالت حية تثمر مشاكل جديدة وقوانين جائرة إلا أنها بعد قيام الخلافة الدينية أخذت صفة شرعية وسند دينياً.
إذاً يجوز تزويج البنت لصغيرة قبل دخولها المدرسة ويحق للرجل الذي يكبرها بنصف قرن أن يدخل عليها وهي بنت تسع سنين وهو لا يفعل محرماً أو يقف موقفاً محرجاً. ولما كانت الصغيرة غير واعية وغير مدركة اعتبر إذن وليه كافياً لتزويجها وكأنه المالك الحصري لرقيق يملكه أو سلعة يبيعها. والمؤلم حقاً أنها عندا تبلغ وتعي وتدرك ليس لها الخيار فيرفض هذا الزواج الجائر وسيكون من الصعب جداً طلاقها أو فكها من الأسر خاصة إذا كانت أماً لأطفال وكانت حالة الشيخ الزوج المادية جيدة.
ويؤكد أن الأزمة ما زالت حية كون النصوص والنقول التي أوردناها في دراستنا ما زالت مرجعاً معتمداً وسنداً قانونياً. ما ذكر مؤخراً عن أن غالبية النائبات في الجمعية الوطنية العراقية الجديدة والبالغ عددهن خمساً وثمانين امرأة يطالبن بإلغاء قانون الأحوال الشخصية باعتبارها قوانين تقوم على مبادئ علمانية تساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات واستبدالها بقوانين تقوم على الشريعة الإسلامية. مطالبين بسن قوانين تسمح بضرب الزوج لزوجته وتحرم المرأة من الوصاية على أطفالها في حالة الطلاق وتسمح للرجال بممارسة تعدد الزوجات. ((راقية القيسي الحوار المتمدن 8\6\2005))

ففي أحدث برلمان عربي تشكل فيه النساء نسبة كبيرة يوصين بالعودة إلى ما قبل ألف وأربع مئة عام والعمل بنصوص كرست أوضعاً قديمة ورسخت مفاهيم كانت سائدة قبل إرساء قواعد العدالة والرحمة والمساواة التي ينبغي أن تكون الغاية والهدف من جراء تقنين النصوص وتدوين الأحكام القضائية.

خاتمة :
لقد دأب الدعاة الإسلاميون منذ قرون على الدعوة إلى العودة إلى الأصول وإحياء النموذج الديني الذي رأوا فيه كل صفات الكمال والرقي والواقع أن النموذج المنشود والمزعوم لم يكن يوماً من الأيام كذلك والأمثلة المعاصرة ما زالت ماثلة للعيان فليس خافياً حال النساء في دولة طالبان الدينية التي كانت تعتبر النصوص المقدسة المصدر الرئيس وأحياناً الوحيد للتشريعات المدنية والقضاء وكذلك هو الحال في المجتمع السعودي حيث أن المرأة المكرمة المعززة التي يدعى أنها نالت كل حقوقها وأنها من أرقى المجتمعات مدنية وحضارة كما يزعمون إلا أنهم لا يرون أن هذه المكرمة المعظمة لها الحق في قيادة سيارة فكيف يكون لها الحق في قيادة مجتمع أو حيٍّ أو أسرة.
((في سبيل إزالة المعوقات التي تحول بين المرأة المسلمة وتحقيق أهدافها نرى أن الحل الوحيد يكمن في إعادة النظر في النصوص الإسلامية وخاصة القرآن وتفسيرها تفسيراً جديداً)) نعمت حافظ برزنجي- مداد –
ولتحقيق هذه المهمة لا بد من تضافر جهود العديد من الباحثين والمفكرين الداعين إلى النهوض بالمرأة التي تعتبر الحلقة الأضعف في سلسلة الفكر الديني قديماً وحديثاً.
وما قدمناه في بحثنا السابق هو مراجعة محدودة لبعض النصوص ذات الصلة بقوانين الأحوال الشخصية السائدة في حين أن هناك العديد العديد من المسائل المتعلقة بموضوع المرأة وعلاقاتها ما زالت بحاجة إلى بحث ودراسة ومراجعة شاملة.